حـقٌّ فـي الـحـيـاة وواجـبٌ
حنا نور الحاج
*(برغم الحزن، وبرغم الألم، أو بسببهما)*
بأنانيّة قد لا أُلامُ عليها، وجدتني أقول في سرّي: "لربّما كنتَ محظوظًا لأنّه لا تربطك معرفةٌ شخصيّةٌ بكلّ من القاضية نسرين بشارة-كرينّي، والطبيب الدكتور نزار جبران توما، والمعلّمة المستشارة التربويّة جوزفين سليمان كرينّي-توما". ووجدتني ألتمس الأعذار لنفسي حين قلتُ ذاك؛ فلقد كان حزني شديدًا شديدًا، وغضبي أشَدّ، رغم عدم معرفتي بالمرحومِين الثلاثة. وفي الآن ذاته، أخذتُ أحاول أن أرسم في مخيّلتي ما كان يمكن أن تكون عليه مقاديرُ حزني وغضبي المضاعَفةُ -فوق كلّ ما اعتراني من حزن وغضب واستياء-، لو كان الضحايا الثلاث من معارفي أو أقربائي أو أصحابي أو أصدقائي. هل هنالك مَن لم يستبدّ به الغضب والحزن حين سمع أو عاين ما أدّى إليه عبثُ الشباب ونَزقُ الفتوّة؟! هل نعتبُ على مخترَعٍ أنجزَهُ صاحبُهُ لتسهيل العيش وتحقيق الإعمار، فإذا به يسحق الأعمار؟! هل نعتب على سيّارة شاء لها مخترعُها أن تختزل المسافات، فتنقل على جناح السرعة بني آدم إلى الأماكن البعيدة عنهم فتُقرّب البعيدَ، فجاء سائقُها فأبعدَ القريبَ إلى ما لا عودة منه؟! بمفتاح السرعة المجنونة، أوصدَ السائق باب الحياة. بسياقة غير مسؤولة ولا تَمُتّ للمعقوليّة بصِلة (السياقة بسرعة 170 كيلومترًا في الساعة في شارع محلّيّ داخل البلدة!)، بسياقة كهذه أوصَدَ السائقُ أبوابَ الفرح، وفَتَحَ أمام أيّامه هو بابَ السِّجن. لاحقًا، وجدتني أقول في سرّي بتمنٍّ حزين متألّم: "ليته جَمعتْكَ بنسرين ونزار وجوزفين معرفة شخصيّة! لو كانوا ضمن دائرة معارفك أو أصحابك، لكان من المحتمل أن يُكتَب لك بعض إفلاحٍ في تأدية دَوْر أفضل في الوقوف إلى جانب العائلتين الفاقدتين". وهنا كذلك وجدتُني ألتمس الأعذار لنفسي حين تمنّيتُ هذا في سرّي؛ فقد شاركتُ وزميلاتي وزملائي (في ثانويّة مار إلياس في عبلّين) في تقديم العزاء إلى أهلنا في كفر ياسيف، مصافحًا الفاقدِينَ الذين لا أعرف معظمهم معرفةً شخصيّة، متلفّظًا بكلمات عاجزة عن تقديم العزاء. عِظم المُصاب يلعثم اللسانَ حقًّا كما يمزِّق الفؤاد. عاجزًا كنتُ حين صافحتُ تلميذتَنا آمال داود كرينّي، وقمتُ بالترْبيت على كتفها. وممّا جعل حزني يتزايد أنّي لم أكن حتّى تلك اللحظة أعرف هذه التلميذة من قبل، وهي إحدى طالبات الصفّ العاشر المحبوبات النجيبات في مدرستنا، وابنة القاضية نسرين بشارة-كرينّي. لم أعرفها إلاّ في تلك اللحظة -لحظة تقديم العزاء (بل قل مدقِّقًا: لحظة محاولة تقديم العزاء. أجل، هي محاولة). لم يجمعني بها تدريسٌ أو فعّاليّةٌ مدرسيّةٌ ما. جمعني بها الحزن والانذهال. وعاجزًا وجدتني حين قمتُ بمصافحة زوج الفقيدة نسرين، شقيق الفقيدة جوزفين، والد آمال: المحامي داود سليمان كرينّي. تلك هي لحظات يجتمع فيها الحزن والغضب والإحساس بالعجز، فتجعلك تعرف معنى الموت. بل تجعلك تعيش الموتَ. هي فرصة أمام حدث الموت الدمويّ البشع كي يفكّر المرء في الحياة وفي الأحياء. فرصة ليُنـقَش في القلوب ذِكْرُ الراحلين، وليُرسَم في العقول مصيرُ الباقين. هي فرصة للوقوف أمام مرآة الذات بباصرة مفتوحة، وبصيرة متفتّحة، ولسان يحالف الصدق. هي فرصة كي يحاسِب بعضُ الأهالي أنفسَهم متسائلين: هل أحْسَنّا تربية أبنائنا؟ هل أفلحنا في أن نزرع في ذواتهم احترامَ الغير؟ هل "علّمناهم" كيف يحبّون الناس ويحرصون على سلامتهم؟ هل علّمناهم كيف يحبّون أنفسهم ويهتمّون بمصلحتهم دون أن يكونوا أنانيّين ولا اندفاعيّين؟ هل علّمناهم الدماثة وأصول التعامل والتفاهم؟ هل عَمِلْنا ما يكفي لجعْلهم يميّزون بين البطولة والرعونة، وبين الجرأة والوقاحة، وبين الشجاعة والتهوّر، وبين الشرف والقرف؟ هل عرفنا كيف نكون حازمين دون استبداد، متسامحين من غير تهاون ورخاوة؟ هي فرصة كي تحاسب الشرطة نفسها، فتحسّن أداءها في مقاومة جرائم الشوارع، وتعاقب المجرمين ولا تسمح بأيّ محاولة للتمويه في قضاياهم أمام القضاء، فيأخذون جزاءهم كما ينبغي لهم أن يُجازَوْا. هي فرصة كي تحاسب السلطات المحلّـيّة عملها، وتفحص مدى جدّيّتها وحرصها على احترام حياة المواطن، فتراجع مدى اهتمامها بحالة الأمان في شوارعنا التي أصبحت ملاعبَ سباقٍ متهوّرٍ وقبورًا معبَّدة. هي فرصة لنا نحن جميعًا، في كفر ياسيف وعبلّين، في الجليل والمثلّث والنقب والساحل وسائر أنحاء الوطن الحبيب، كي نستذكر قيمة الحياة، ونستنكر وننبذ كلَّ فكر إجراميّ، وكلَّ عمل إجراميّ. قد يكون الموت نهاية. قد يكون كذلك. لستُ أدري، وأحاول ألاّ أدّعي أنّي أدري. لكن، إن كان الموت نهاية، فهو ليس نهاية الأحياء، أو لا ينبغي له ان يكون كذلك. بمثل هذه العبارة الأخيرة تفوّهتْ إحدى الشخصيّات الحقيقيّة، في رواية حليم بركات "طائر الحوم"، وذلك حين فَقدتْ زوجةُ الكاتب ("حياة") شقيقَها وزوجةَ شقيقها ووالدَها وخالتَها في حادث سير واحد إثر انفجار إحدى عجلات سيّارة الشقيق السائق الفقيد، وتحوّلت ابنة شقيقها ذاك إلى معاقة إعاقة مؤبّدة. كلّ ذلك حدث لهم في بلاد المهجر، في الولايات المتّحدة. للأحياء حقٌّ ومتَّسَعٌ في الحياة وواجب برغم الحزن وبرغم الألم؛ بل ربّما بسبب الحزن وبسبب الألم. ليس في ذاك مسٌّ بمن رحلوا. لو أَصَخْنا السمع إلى وصيّة كلّ راحل وراحلة، لسمعناهم يقولون لأعزّائهم وأحبّائهم، دون أن يتفوّهوا ببنت شفة: عِيشوا الحياة طُولاً وعَرضًا! عِيشوها في كلّ حالة، وتحت أيّ ظرف! عيشوها نيابةً عنّا كذلك، فأنتم أحياء قادرون! أبعدَنا هادمُ اللذّات عنكم، فتقارَبوا أنتم! في تقاربكم وتكاتفكم حضورٌ لنا وحياة. ما في اليد ولا في الفم عزاء يوازي المُصاب. ليس للفاقدين المصابين المحزونين سوى الصبر والمزيد المزيد من الحياة والكفاح. رحم الله الراحلين، وبُورِكَ في الأحياء. تباركت الحياة... الثلاثاء 21/9/2010 |