لقاء أدبي على حدود الذاكرة!



قامت ثلة من الأدباء الفلسطينيين على اختلاف اهتماماتهم الأدبية، بتلبية دعوة نضجت على نار هادئة  لفكرة خطرت على البال، بعدما اتضح من حديث صديقي زياد خداش القاص المعروف أثناء حديثنا في مقهى رام الله عن الأوضاع المعيشية التعيسة التي نواجهها على ثرى هذا الوطن ، بعد محاولته الفاشلة في  الحصول على تصريح يسمح له بالوصول الى حيفا   والساحل  الفلسطيني، فوافق بعد دعوة مني كتعويض نسبي بالتوجة لزيارة قريتنا " بدرس" والتي تقع في أقاصي غرب رام الله وعلى حدود الخط الأخضرالفاصل لأراضي ما قبل 1948 وأراضي 1967حيث يفصل الجدار المشؤوم القرية عن جاراتها  " بيت نبالا"  بلد القاص زياد والذي كان على رأس من لبوا الدعوة  لزيارتنا  وقرية  "الحديثة"  الى الجنوب الغربي والقريتان المذكورتان قد دمرتا  تماما  ولم  يبق منهما الا  القليل  كالأطلال والمقابر وبعض المباني  شبه  المنتصبة  حتى تكون تلك البيوت بمثابة  شاهد العصر على الجريمة  النكراء وأصابع  الاتهام الموجهة الى الصهاينة الحاقدين  والذين اعتادوا  وأصبح اقتلاع  الشجر والحجر من قيمهم الحضارية الموروثة، تليهما غربا مدينتا اللد  والرملة المنكوبتان أيضا منذ وطأتهما اقدامهم، اذ تشرف قريتي عليهما جيدا حيث تمتد على سلسلة جبلية لا بأس بها طولا وعرضا !
وكان الأدباء قد استقلوا سيارة خاصة يمتلكها أحمد نجم الذي يتبوأ منصب المدير العام – وأمين السر في "لجنة السياسات العمالية" التابعة لوزارة العمل الفلسطينية والذي له باع طويلة في المجال الأدبي والثقافي، فقد أصر على التوجه غربا رغم وعورة الطريق والحواجز العسكرية التي تواصل تضييق الخناق على قرى غربي رام الله اذ لم يتبق لنا الا درب واحد تسلكه السيارات وغالبا ما تقوم السلطات الاسرائيلية باغلاقه !       
وكان مدير عام الاذاعة الفلسطينية الشاعر محمود أبو الهيجاء قد حضر أيضا برفقة الزميل الأديب عايد عمرو المحرر الثقافي في صحيفة الحياة الفلسطينية، ما أضفى طابع المرح والفكاهة على اللقاء فقد عرف عايد  من خلال نافذته المشهورة " شرفة للذئب " من خلال كسر جليد الكتابة التقليدية من خلال المقالات وما تجتره  من  كلام  مكرر في السياسة وغيرها من شؤون الحياة الأخرى !
  ما أن وصل الأدباء، حتى قفزوا فرحين حين استنشقوا رائحة الميريمية والزعتر والكرينية التي تفوح في أجواء البيت ، ولكن سرعان ما أربكهم الجدار المنتصب غربا والذي لا يبعد أكثر من 150 مترا حيث  أفقدنا ذلك  شهية الحديث عن نباتات    الطبيعة الجميلة والرائحة الفواحة التي تحيط بالمكان خاصة في مثل هذا الموسم الربيعي الدافئ حيث لا ترتفع القرية كثيرا عن مستوى سطح البحر، لكننا استطعنا تجاوز تلك المرحلة من اليأس الذي زرعته قباحة منظر الحاجز الذي يفصلنا عن التواصل مع أجزاء كبيرة من الجبال والأودية الخضراء خاصة جبل " الناطوف" الشهير بنبعه الصافي الجميل فقد اعتدنا سابقا على قضاء أجمل الاوقات فوق قمته الشامخه كشموخ شعبنا الصامد رغم المعاناة والاعباء الجسيمة التي تعصف به على مدار الساعة !
   لم يستطع صديقي زياد خداش أن يصبر طويلا رغم الجلسة الجميلة فتناول كأس الشاي بسرعة البرق وصرخ مبتسما : الى "بيت نبالا" اتبعوني ، فتوالت الضحكات ولكنه واصل المسير محاولا في حقيقة الأمر الاستطلاع ورؤية أطلال قريته ان أمكن من فوق تلة عالية قريبة الا أنه فوجئ حقا بحارس أمن الجدار يصوب البندقية باتجاهه ما دعانا الى التقدم نحوه واقناعه بأن كلاب الحراسة مسعورون جدا بعد اللطمة التي تلقوها في مناسبة يوم الأرض أي قبل عدة أيام فقط ومن هذا المكان ، وكانت قناة الجزيرة قد نقلت في بث حي ومباشر تفاصيل المواجهات العنيفة حيث أصيب ثلاثة عشر شخصا والتي بدأت من بعد صلاة الجمعة حتى الخامسة مساء . كانت بعد ذلك جلسة جميلة في الحديقة بعد غداء" المسخن " الذي أعد على شرف الجميع وحسب طلبهم ، وكان أحمد نجم " أبو علاء" قد فتح نقاشا حول   قضايا تراثية امتازت بها القرية الفلسطينية عن المدينة والمخيم في أمورعدة منها الطابون والخابية والرواق ثم صواني القش  و"البد" أي مكان طحن الزيتون وتصفية الزيت عن شوائبه ، ثم انتقلنا بالحديث الى بعض النصوص الجميلة في صحيفة الحياة حيث ذكرنا  محرر الزاوية الثقافية  الاخ عايد عمرو بقصائد منشورة ومن ضمنها قصيدة للشاعر محمود أبو الهيجا والذي تبرع  بقراءتها فقد كان من بين الحاضرين وصفقوا  له بحرارة  ، تلا ذلك حوار ثقافي حول قضايا الشعر والرواية والقصة ،   وفي الختام حرك فينا القاص خداش طموحا  بعد  أفكارجيدة قدمها عندما أبدى اعجابه  الشديد بجو القرية  رغم محاذاتها للخط الأخضر بسبب الجدار الخانق ومعاناتها من أضراره، وقال انه من الممكن الآن كتابة نص جميل بعنوان : "على حدود الذاكرة " !

(شاعر فلسطيني)

لطفي خلف *
الثلاثاء 17/4/2007


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع