غسان كنفاني - الجمال الحزين والعطاء المتوهج


*

في الذكرى السنوية ال 32 لاستشهاده
تنشر مؤسسة توفيق زيّاد للثقافة الوطنية والإبداع كتاب
"غسان كنفاني - الجمال الحزين والعطاء المتوهج"
وهو دراسة للكاتب سهيل كيوان
قدمها ضمن الجائزة الأدبية على اسم توفيق زيّاد للعام 2001
ونشرت في العام 2003 من قبل المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي


الفهرس

كلمة مؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة الوطنية والإبداع
كلمة الكاتب سهيل كيوان
مقدمة - الكاتب يحيى يخلف ، رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة في م.ت.ف
مفتتح        
الأدب الجيد يخدم القضية
الأبعاد النفسية للأنهيار 
شبح الأغتراب
 في مواجهة  الأغتراب المركب
سنرجع يوماً الى حينا
الدلائل اللغوية 
رجال في الشمس فشل محاولة أستنساخ الوطن
الزواج والأسرة

الحدود
ما تبقى لكم ، من أغتصاب  ليلى الى تدنيس مريم 
تقابل
أم سعد تحول في دلالة الألفاظ
التحول في دلالة كلمة ( الأوادم )
ماذا تعني كلمة حبس
ألأم مصدر البطولة
الواسطة لم تعد عيباً والهدية ليست خاتماً
الجميع مقاتلون
نحن المشحرين
الحجاب ليس الذي نعرفه
تغير طعم العيشة
عائد الى حيفا ، الأسئلة الفلسفية الصعبة
المسافر الأبدي
الكثافة السيكولوجية
محاولة التخلص من الشعور بالذنب
ما هو السر في جاذبية أدب غسان
شعر في رداء نثري
النهايات الكئيبة
المراجع .   

 

كلمة مؤسسة توفيق زيّاد للثقافة الوطنية والإبداع


عزيزنا القارئ،

    تفخر مؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة الوطنية والإبداع بأن تقدم، بالتعاون مع المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، هذه الدراسة الجادة: " غسّان كنفاني، الجمال الحزين والعطاء المتوهج "، والتي أعدها الكاتب سهيل كيوان، إبن قرية مجد الكروم، والفائزة بجائزة توفيق زيَّاد الأدبية للعام 2001.

    لقد أحيت المؤسسة الذكرى السنوية الثلاثين لاستشهاد المناضل الفلسطيني والأديب المبدع غسّان كنفاني، في الثامن من تموز عام 1972، مذكّرين من خلال ذلك بالمهر الغالي الذي دفعه ولا يزال يدفعه شعبنا الفلسطيني، ثمناً لحريته واستقلاله، وحقه في الحياة الحرة الكريمة. يحذونا الأمل والثقة من أن هذا الشعب وإن "لم يقرع الخزَّان" في فترة من حياته – مأساته – فإنه بالتأكيد " عائد إلى حيفا " بفضل تضحياته وإصراره على نيل حقوقه.

    إننا في مؤسسة توفيق زيَّاد نواصل حمل الأمانة، وحمل بعض الهموم التي حملها وحمَّلنا إيّاها راحلنا الكبير توفيق زيَّاد... مستمدين من تفاؤله وثقته بنفسه وبشعبه زاداً وزواداً على طريق العطاء لشعبنا، ورفد مقومات الثبات بتعزيز الهوية الثقافية الوطنية لهذا الشعب الباقي في وطن الآباء والأجداد، مرددين مع توفيق زيَّاد:

إنّا هنا باقون

أديب أبو رحمون
رئيس الهيئة الإدارية
لمؤسسة توفيق زيَّاد للثقافة الوطنية والإبداع
8 تموز 2003

 

 

كلمة الفائز في احتفال توزيع الجائزة

أيها الأخوة والأخوات بداية ، أود أن أشكر جميع من حضروا ليشاركونا في هذا الأحتفال ، وذلك رغم أغراء شاشات التلفزيون في هذا المساء التي تنقل ببث مباشر  أحداث  أمريكا التي قد تغير وجه العالم .
حضرة  السيد رامز جرايسي رئيس بلدية الناصرة المحترم حضرة الأخ محمد كنعان رئيس مجلس مجد الكروم المحلي المحترم  السيدة نائلة زياد ، السيد أديب ابو رحمون السيد سامي الحاج ، الأخوة المحترمين في مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية والأبداع ،النائب محمد بركة المحترم ، حضرات الضيوف الكرام ،  شرف كبير لي أن أقف على هذه المنصة هذا المساء ، لأستلم هذه الجائزة الرفيعة ،فباستلامها أكون قد حققت حلماً جميلاً راودني طويلاً ، لقد وضعت نصب عيني أن انال هذه الجائزة لما فيها من قيمة معنوية كبيرة ، فالجوائز المالية كما تعلمون كثيرة وربما تكون أكبر باضعاف من جائزة توفيق زياد ، ولكن هذه الجائزة أكبر بكثير ، فهي شهادة فخر وأعتزاز وأنتماء .
 في هذه الأمسية نذكر الشاعر المبدع والمناضل الشجاع توفيق زياد وشعبنا أحوج ما يكون في هذه الأيام الى أمثاله من القادة والمبدعين ، في العمل السياسي والأبداع الفني .أيها الأخوة من المؤسف أن نحتفل اليوم ولما يتحقق حلم  توفيق زياد الجميل والذي قضى نحبه على طريق اريحا وهو يحاول ملامسة هذا الحلم برؤوس أنامله  ، فما زالت دماء شعبنا تسيل بغزارة .. 
وما زالت قوى الشر والعدوان مهيمنة  ،وشعبنا محاصر ويعيش العذاب ساعة بعد ساعة ، ولكنه صامد ويدفع ثمن حريته وحتماً  سينتصر .
لقد كان توفيق زياد ملتصقاً بهموم شعبه حتى النخاع وكان شاعراً موهوباً يستمد ابداعه من رأس النبع من الشعب ،
أنا من هذه المدينة
  من حواريها الحزينة
من شرايين بيوت الفقر
من قلب الثنيات الحصينة
أنا من شارع يوم الأرض
من دوار ايار
ومن ساحات صبرا وشاتيلا
والزقاقات التي
لا تجرؤ الشرطة أن تدخلها
عندما يشتعل الناس غضب .. !!
  أيها الأخوة والأخوات ، عندما قررت الأشتراك في هذه المسابقة شعرت بمسؤولية جسيمة ، خصوصاً عندما أخترت دراسة أعمال كاتب شهيد هو غسان كنفاني ،
فالجائزة ارتبطت الآن باسمين كبيرين ونجمين ساطعين في تاريخ الأبداع الفلسطيني ،أبي الأمين وأبي فايز شهيدي الحركة الأدبية الفلسطينية ، وأي شرف أكبر من  أن يرتبط اسم جائزتي باسمي هذين النهرين الفلسطينيين العربيين العذبين ! لهذا كانت المسؤولية مضاعفة ورهيبة ، وأني أحمد الله أنني كنت على قدر المسؤولية  .
أيها الأخوة والأخوات أعاهد وأياكم أبا فايز وأبا الأمين المبدعين القائدين الشهيدين أن نواصل الطريق الذي شقه هذان العملاقان الى جانب رفاقهما وأخوانهما من شهداء الحركة الأدبية والأبداعية الفلسطينية ، ونقول .. لا لن يسقط من أيدينا علم الأحرار المشرع ، و..  يا شعبي يا عود الند يا اغلى من روحي عندي ، أنا باقون على العهد .  


         
  
المقدمة
بقلم: يحيى يخلف

عبر الأدب الفلسطيني منذ مطلع الستينات بقوة ، عن مرحلة الإرهاصات التي سبقت تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومرحلة الكفاح المسلح ، إذ كتب الأدباء الفلسطينيون من مواقعهم الجغرافية المختلفة في إبداعاتهم عن الهوية الفلسطينية وعن ملامح الشخصية الوطنية ، وعن التمسك بحق العودة والبحث عن سر القوة ، وعن قسوة المنفى وجحيم الصحراء وعن ضرورة وجود كيان فلسطيني يلم الشتات ، ويدافع عن الحقوق ويمثل الشعب الفلسطيني في المحافل العربية والدولية . ففي داخل الخط الأخضر ، برزت ظاهرة أدب المقاومة من خلال معركة الشعراء والأدباء والمثقفين للدفاع عن الأرض والهوية ، وفي الأردن بلورت تجربة مجلة ( الأفق الجديد ) التي كانت تصدر في القدس حركة الأدباء الفلسطينيين الشبان الذين مثلوا تياراً يدعو إلى الالتزام بالتعبير عن هموم ومشاغل القضية الفلسطينية ، وفي قطاع غزة ، كانت هناك حركة شعرية تعبوية قادها هارون هاشم رشيد ومعين بسيسو ، تدعو الى المقاومة وتتمسك بالعودة وترفض التوطين وتشيد بالبطولة ، وتدعو الى التمرد على الواقع الفاسد .
أما في لبنان فأن الحركة الأدبية الفلسطينية كانت تتسم بالحداثة والتجديد وتتأثر بالمناخ السياسي والفكري ، وتغتني وتتبلور من خلال الجو الديمقراطي ، الذي كان سائداً في تلك المرحلة كما تتأثر بالمدارس والتيارات الفكرية الأوروبية التي تدخل لبنان من نوافذه وأبوابه المشرعة ، وتعبر عن دقات قلب الشعب الفلسطيني من خلال الأساليب الفنية الرفيعة ، ولعل ابرز ما ميز تلك الحركة بروز الجهود السردية ، وخير من عبر عن هذه الجهود كان سميرة عزام التي قدمت العديد من المجموعات القصصية ، وجبرا إبراهيم جبرا ، الذي كان يقيم في بغداد وينشر أغلب نتاجه في بيروت ، بل ويتفاعل مع ثقافة بيروت التي تنزع الى الحداثة والتجريب والدعوة الى كسر المألوف وارتياد مغامرات أدبية جسورة .. وأخيراً غسان كنفاني القاص والروائي والصحافي والمناضل في حركة القوميين العرب الذي كان بمثابة شعلة تتقد بالنشاط والحيوية وتخوض من مواقع التزام ، مغامرة القصة والرواية بجرأة وجسارة .
تقتضي الأمانة أن نحلل على هذا المشهد الواسع ، ونحن نتحدث عن أدب غسان كنفاني ، لنرى أن ظاهرة غسان أتت من سياق ظروف استثنائية كان يمر بها الشعب الفلسطيني وأتت في اطار نسيج ثقافي فلسطيني يمثل حالة نهوض فلسطينية بعد كبوة وحالة ضياع دامت أكثر من عقدين من الزمن …
وسط هذا المشهد يبرز غسان كنفاني ، كنموذج لجيل النكبة الذي ترعرع في المخيمات والمنافي ، وذاق من محيطه القومي حلاوة الانسجام ، ومرارة التباين ، وجرت في عروقه الدماء الفلسطينية الحارة ، وعرف منذ وقت باكر أن لا وطن له إلا الوطن الفلسطيني .
وتعود صلتي الروحية بغسان ، من خلال قراءاتي لقصصه الأولى التي كانت تنشر في الملحق الذي يصدر في جريدة المحرر اللبنانية ( ملحق فلسطين ) ، ومن خلال قراءتي لروايته العظيمة ( رجال في الشمس ) ..
أما صلتي الشخصية به ، فقد بدأت في السبعينيات ، عندما كنت مسؤولاً عن حركة فتح في منطقة شمال الأردن ، إذ كنت أرسل له من خلال شباب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وبين فترة وأخرى ، كنت أرسل له قصصي لينشرها لي في مجلة ( الآداب ) البيروتية . وقد التقيت بغسان كنفاني لأول مرة ، في صيف عام 1971 ، في بيروت .. التقيت به في يوم قائظ في ذلك الصيف الحار ، في مكتبه في مجلة الهدف الكائنة في كورنيش المزرعة في بيروت ، وكنت بصحبة الصديق القاص محمود الريماوي الذي كان يعمل في الهدف كمحرر ثقافي ..
استقبلني غسان كنفاني بحفاوة وحرارة ودار بيننا حديث تراوح ما بين السياسة والثقافة ، الشخصي والعام ، الراهن والمستقبل .
كان غسان كنفاني يمتلك عينين مثل عيني الصقر ، وكان يتحدث بحيوية وكانت ملامحه وحركات يديه ، تعكس انفعالاته ، وصدقه ، وحميميته  .
والتقيته مرة اخرى في الهدف ، عندما عدت بعد مدة من الزمن ، لجمع بعض المعلومات والوثائق من أرشيف المجلة لأستعمالها في دراسة كنت أتهيأ لإنجازها وكان غسان وقتها يجتمع مع وفد أجنبي جاء يتضامن مع الثورة الفلسطينية وكان بابه مفتوحاً وعندما شاهدني ، أشار لي بالدخول ، وسلم علي ودعاني للجلوس ، ثم واصل الحديث باللغة الإنجليزية ..
وكان من الواضح أن الوفد يساري الاتجاه ، وانه من اليسار غير التقليدي ، وربما من اليسار الجديد المتأثر بأفكار ماوتسي تونغ ، فقد كان غسان يتحدث اليهم ، وهو يحمل كراساً بغلاف أحمر ، يحمل مقتطفات من أقوال ماو..
والتقيت به بعد ذلك مرات أخرى ، كان آخرها من مكتب الإعلام التابع لحركة فتح في بيروت ، إذ حضر اجتماعاً للجنة التحضيرية التي شكلت في تلك الأيام ، من أجل تأسيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، وكان ذلك قبل استشهاده بأسابيع قليلة ..
أسرد هذه المعلومات ذات الطابع الشخصي ، لا للتباهي بمعرفة شخصية ثقافية فذه فحسب ، بل من أجل أن أوضح بعضاً من اهتماماته ، ومشاغله ، فهو ليس الكاتب والروائي والرسام والناقد فحسب ، وإنما هو الكادر الملتزم في صفوف الجبهة الشعبية ، الذي ينشغل بالسياسة وبالشأن الفلسطيني العام ..
فنحن هنا ، كما تعكس هذه الدراسة التي أعدها الكاتب الصديق سهيل كيوان ، أمام موهبة فريدة ، كانت تسابق الزمن ، موهبة عاشت حياة قصيرة ، ولكنها ممتلئة بالتجارب والرؤى غنية بالتفاصيل الجوهرية ، حافلة بالدلالات المدهشة .
وقد أسعدني الإطلاع على هذه الدراسة التي تناولت أدب وحياة غسان كنفاني ( الجمال الحزين ، العطاء المتوهج ) ، والتي فازت بجائزة مؤسسة توفيق زياد للثقافة . وقضيت وقتاً ممتعاً في قراءتها على الرغم من أنني قرأتها في ظروف الحصار القاسي الذي نعيشه في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه الأيام وحملات مداهمة وإعتقال ، وحملات تجريف وتخريب من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي ..
أقول ، استمتعت بهذه الدراسة على الرغم مما كان يحدث خارج منزلي ، وخارج نافذتي ، وأستطيع أن أطلق عليها صفة الدراسة القيمة ، دون تردد ، ودون أن يكون ذلك من باب المجاملة .. بل أن هذه الدراسة تستحق جهداً في القراءة المعمقة ، يعادل الجهد الذي بذله سهيل كيوان في إعدادها .
وقد أكدت هذه الدراسة ، ما سبق وذهبت إليه عند حديثي عن غسان في مناسبات شتى  ، إذ كنت أرى ان لقصص غسان كنفاني حياة داخلية وان شخصياته ما زالت تعيش وتنبض فيها العروق من خلال تعدد القراءات ، ومن خلال تعدد الرؤى التي تنظر اليها على الرغم من مرور الأيام ، وتقادم الزمن .. فأدب غسان كنفاني يتجدد دائماً بتجدد القراءات ، وخاصة القراءات النقدية .
فالدلالات والمعاني في أدب غسان كنفاني تختلف من ناقد لآخر ، ومن قارئ لآخر ، فهي مثل اللوحات الفنية التي يفسرها المتلقي تفسيراً معيناً ، ثم يأتي متلق آخر ، ليسبغ عليها دلالات جديدة .
إن نظرية تعدد القراءات تغني النص ، وتحوله الى كائن حي ، قابل للتطور ، وقابل للفهم ، وقابل للغواية الفنية لأنه يحمل في أعماقه بذرة التجدد والحداثة الدائمة .
قدم  سهيل كيوان قراءته الخاصة لغسان كنفاني ، ومثل ذلك إضافة نوعية لنظرية تعدد القراءات ، فقد تجنب كما ذكر في مقدمته تكرار الأفكار السابقة أو الجوانب التي تطرق إليها من سبقوه في دراسته ، وحرص في هذه الدراسة على إضاءة بعض الزوايا الجديدة ، وعلى تعميق وتجذير وتحسين إضاءة بعض الجوانب الأخرى التي لامسها الآخرون .
وأنا لا أعتقد أن ذلك كان بهدف الإبتعاد عن التكرار او بتوخي الأمانة والصدق بقدر ما اعتقد ان ذلك يندرج في إطار بلاغة القراءة ، وبلاغة الإبتكار في الرؤية وبلاغة التجديد التي تطلقها فكرة تعدد القراءات ..
وهذه الدراسة ، بهذا المعنى ، تمثل عمق الثقافة التي يمتلكها سهيل كيوان ، وتعكس خبرته الشخصية في مجالات السرد الروائي ، وقد تعامل مع نصوص غسان كنفاني برؤية الفنان الذي يبحث في النص عن جمالياته ، ووظيفته الاجتماعية ، ولغته ونقدياته وبنيته ، وشكله ومضمونه وهي رؤية حية ، فيها الحس المرهف ، والصدق الإنساني وإستبطان الحلم المشترك .
لقد كتب الكثير عن أدب غسان كنفاني ، وصدرت عنه دراسات متخصصة ، ورسائل جامعية ، وترجمت أعماله الى العديد من اللغات الحية ووجدت أيضا تلك الأعمال إهتمام الدارسين والنقاد في مختلف بلدان العالم ومع ذلك فثمة ما يمكن أن يقال من جديد في أدبه وسيرته الذاتية ، ودوره في حركة الثقافة الفلسطينية ، فضلاً عن دوره في الحركة الوطنية الفلسطينية .
إن المساحة الجديدة التي أدخلنا إليها سهيل كيوان تشبه فسحة الأمل ، تفتح أمامنا عالم غسان كنفاني الرحب ، ولا تغلقه ، والمدى ما زال في أتساع ، والنص ما زال مفتوحاً أمام المعاني والدلالات والقراءات ، و(كيفما وليت وجهك في فلسطين ، لا بد وأن تشم رائحة البرتقال الحزين ) .

 


مفتتح

بودي أن أوضح أولاً أنه من الصعوبة بمكان الكتابة عن أدب كُتب عنه الكثير لأن العملية حينئذ ستشبه عملية طحن الطحين بل الأجترار ، والكتابة أصعب وأصعب عندما يكون الكاتب الذي نحن بصدد أبداعه  شهيداً ، خط روايته الأخيرة بدمه أمتداداً لما سبق وقاله بحبره ، لقد كتبت الكثير من الدراسات عن أدب غسان كنفاني ،  وكتب مقدمة لكتبه كبار الكتاب والنقاد أمثال يوسف أدريس وجبرا أبراهيم جبرا ، مما يؤكد صعوبة الخوض في دراسة جديدة لأدبه ،  وعندما أعلنت مسابقة مؤسسة توفيق زياد للعام 2001 حفزتني على المشاركة ، وكنت في حيرة بادئ الأمر بين أجراء دراسة عن الأرض في الأدب الفلسطيني وبين أدب غسان ، في النهاية أخترت الدراسة في أدب كنفاني ،  بعد أن كنت قد قرأت مؤلفاته مراراً ، ورأيت أن التخصص في أدب كاتب واحد يعطيه حقه بشكل أفضل من توزيع الدراسة على عدد كبير من الكتاب والشعراء ، فقررت أن أدلي بدلوي وذلك لما لأبداع هذا الكاتب من مكانة أستقرت في نفسي ، خصوصاً قصصه القصيرة ذات الحيوية الخاصة والتي كنت أعود اليها بين  فترة وأخرى لأشحذ همتي من جديد ، ولكي أعيش لحظات من المتعة الحزينة معها ، تلك المتعة التي يسببها العمل الفني الراقي وأن كان موضوعه محزناً  ، في كل مرة كنت أكتشف قدرته على أمتاع القارئ وأثارة دهشته ومنحه الشعور اللذيذ بالتطهير .  لقد حاذرت رغم كثرة ما كتب عنه  أن لا أكرر أفكاراً سابقة أو جوانب تطرق أليها من سبقوني في دراسته  ، لذلك حاولت  أن أضيء  بعض الزوايا الجديدة رغم صعوبة الأمر ، وأعمّق وأجذر وأحسّن أضاءة بعض جوانب لامسها آخرون  على السطح دون التعمق  بها  ، والحقيقة أنني أكتشفت خلال أعادة قراءتي لمؤلفاته أمكانية كتابة دراسات ودراسات جديدة عن هذا الأدب الجميل ، وأنه بالأمكان دائماً أكتشاف الجديد ، أما الجوانب التي سبق وتطرق أليها  من سبقوني بتوسع وتعمق فلم أعد اليها ( بقدر ما وقع بيدي من هذه الدراسات ) . ، وذلك أبتعاداً عن التكرار وتوخياً للأمانة والصدق وطمعاً في الأصالة . طبعاً يوجد أتفاق عام على الخطوط العريضة لأدب كنفاني ، لا يمكن لدارس جدي أن يغفلها ، فالجميع متفق أنه لا يمكن فصل أدبه عن قضيته المركزية وسوف نمر على هذا أيضاً . بهذه المناسبة بودي التقدم بالتحية والشكر للقيمين على مؤسسة توفيق زياد للثقافة ، لتحريضهم  الكتاب والدارسين  على الأبداع ، من خلال أطلاق مثل هذه المسابقة المحفزة على القراءة والدراسة  الجادة التي نحن بأمس الحاجة لها كتاباً وقراء .        


الأدب الجيد يخدم القضية

لقد رفع أدباء فلسطين وبحق شعار ( الأدب الجيد يخدم القضية ، والأدب الرديء يسيء لها ) . وقد تغني أشراقة فنية واحدة من على المسرح أو السينما أو في رواية أو قصة أو صورة  عن عشرات المحاضرات الجافة والخطب الرنانة  ، ولعل صورة محمد الدرة في الأنتفاضة الأخيرة رغم المأساة الكامنة فيها  عملت ما لم يفلح بعمله عشرات السفراء والقناصل ودهاقنة الدبلوماسيين ، ولعل الميزة الأهم التي ميزت أدب غسان كنفاني هي كون أدبه جاء ناضجاً في لظى قضية  عاشها الكاتب حتى الثمالة بوعيه وبلا وعيه  ، فنبت أدبه ورشف ماء حياته من ترابها ووحلها وصهدها ، وكانت المرجعية الأجتماعية والنفسية والسياسية لجل كتابته ، وستكون مضحكة بل مثيرة  للشفقة أية محاولة نقدية مفتعلة تسعى لتخليص بنيان كنفاني الأدبي من الحوض السياسي والأجتماعي والنفسي  الفردي والجماعي الذي  عاش وكتب غسان في سياقه ، فكان أدبه كالسمكة في حوض  مأساة اللجوء والفقد والتشرد ، وأن كان يطمح أحياناً بالخروج من هذا الحوض ، ألا أنه سرعان ما كان يشعر بالأختناق ، وبمساحة معرفتنا المسبقة لهذا الواقع السالف  ، نفهم وندرك المادة اللسانية التي استخدمها في تصاويره  الحسية ، ونفهم المنعطفات النفسية التي تضافرت لأنتاج  كتابته  . كثيرة هي مدارس النقد الأدبي القديمة والحديثة للقصة والرواية ولكن تبقى جمهرة الذواقة  هي صاحبة القول الفصل بنجاح أو فشل التجربة الفنية لهذا الكاتب أو ذاك ، بأمكان الناقد أن يقرظ عملاً روائياً ما ، وقد يعتبره قمة الدقة الفنية بمقياس نظري معين  ، ورغم ذلك قد يفاجأ هذا الناقد أن الجمهور المتلقي ( رأس مال الكاتب ) لم يتذوق هذا العمل ، وتوقف مصاباً بالملل عند الصفحات الأولى منه ، وفي المقابل قد يهمل النقاد عملاً روائياً لأعتبارات نظرية  ولكن القراء قد يحبونه ،  ومن هنا تنشأ أشكالية الرواية ، فكلما حاولت مدارس النقد ( تقعيدها ) ومحاصرتها ضمن قواعد ضبط معينة  ظهرت أبداعات خرقت هذه القواعد وسجلت نجاحاً باهراً ، ويعود هذا لسبب بسيط وهو أن الحياة ، حياة الأفراد والجماعات الداخلية لا يمكن تقعيدها أي ضبطها بقواعد ، في بداية هذا العام _2001 _ألقي القبض على شاب يهودي قتل زميلاً له ليس بدافع فقر ولا بدافع سرقة أو تجارة سموم أو شذوذ جنسي  ، لقد كان هذا الشاب أبناً لعائلة محترمة ، وحتى أن والدته تعمل كأخصائية نفسية ، ووالده أكاديمي ويوفران  له كل متطلبات الحياة ، ورغم ذلك فقد قتل فتى بريئاً ودفنه وكأن شيئاً لم يحدث ، الى أن أعترفت صديقته عنه لسبب تافه وليس لسبب من صحوة ضمير ، وأقول  هذا للتأكيد على أن الأنسان  ( موضوع كل رواية ) لا يمكن ضبط تصرفاته ومشاعره وأفعاله ونمذجة ما يجول بخاطره ضمن قواعد نظرية ثابتة ، فرب فقير قانع بفقره ورب غني طامع بالمزيد ، وقد تجد فقيراً متكبراً متعجرفاً وغنياً متواضعاً بسيطاً والعكس في الحالتين صحيح ، وبالتالي فأن الحياة نفسها تحمل متغيرات وتفاعلات وعلاقات جدلية دائمة لا ثبات فيها حتى للجماد ، فما بالك بالأنسان وخصوصاً المعاصر المعرض لموجات الحداثة اللانهائية  ، و" الرواية تحمل متغيرات أبطالها وبهذا تختلف عن الملاحم التي يكون فيه البطل محدد التصرف ونمطياً " كما يقول الكاتب والناقد  جبرا أبراهيم جبرا  .  أذاً فمحاولة رسم قواعد ثابتة للرواية بشكل خاص هي محاولات مؤقتة كما ثبت ، فما أن يستقر النقاد على نظرية من النقد ويحتفون بها حتى يأتي من ينسف ما سبقه أو يطوره الى أن يُستنفذ ، فما كان صالحاً قبل قرن فقد بريقه اليوم وألا لأصبح تكراراً مملاً  ، فلا يمكن حصر الفن في قمقم وألقاءه في قاع المحيط ، لأن هذا المارد الجبار ( الفن )  سيخرج مقهقهاً هازئاً في كل مرة ، وقد أثار دهشتي بل أضحكني  الناقد جورج طرابيشي وهو مثقف كبير  في تحليله النفسي الفرويدي لأحدى الجمل التي تلفظ بها (سعيد حزوم ) بطل رواية ( حكاية بحار ) لحنا مينة ، فالبطل يقول "  أيتها الحياة يا صاحبتي العزيزة ، كلانا مسلح بأرادة البقاء والمقاومة ، وأن كان علي كي تستمري أنت أن أفنى فأن لذلك شرطاً : أن تأتيني من أمام ، أنا لا أحب الغدر . كنت بحاراً ولم أكن غداراً .. حذار لا تكوني ساقطة .. أني لا أحب الساقطين " وهنا يقول الناقد الكبير في تحليله  " فلنا أن نلاحظ أن الخوف الذي يعبر عنه من الغدر هو عين الخوف الذي يساور المرء أزاء شكل معين من الجماع ، وأن المعنى الوحيد الذي يعطيه للغدر على أي حال " الأتيان من الخلف " ويستمر الناقد في تحليله العجيب " ثم أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن زلة القلم ، فقد كان يقتضي أن يخاطب الحياة بالقول " لا تكوني ساقطة أني لا أحب الساقطات " لكنه آثر التذكير في الجمع فقال " الساقطين " والحال من هم "الساقطون "؟ أنهم أولئك الذين يأتون أو يؤتون من الخلف ! أولئك الذين يؤجرون أقفيتهم " أنهم المخنثون!! الى هنا ! الروائي وبطله جورج طرابيشي ص 64 .  الناقد الكبير أعتبر  أن جملة " أيتها الحياة لا تأتيني من الخلف " هي خوف البطل من أن يغتصب جنسياً ، أو أن يشتد لديه الشعور بالمثلية . مع أحترامنا لأبداعات وتحليلات  جورج طرابيشي المتكئة على فرويد وهي بمعظمها جميلة وتستحق الوقوف عندها  وتستند الى قواعد في علم النفس ولكنها تصبح سقيمة وواهية في بعض الأحيان ، عندما تعتمد تفسيرات جنسية  لكل حركة ولفظة يقوم بها الأنسان وأعتبار أن كل شيء يعود الىالتنازع بين " الأنا وبين العلاقات الجنسية " ، ففرض مثل هذا التحليل على جملة كهذه فيه كثير من التعسف بل هو أغتصاب للمؤلف وللشخصية وللنقد ، وتحليل كهذا يعني الحرج الدائم والأقتران  الجنسي  لكلمات مثل ، خلف ،  فوق ، تحت ، رأس ،  دخل ، خرج ، نزل ، صعد ، أنتفخ ، أمتد ، أنتصب ، ومئات التعابير المشابهة ، لأن كل هذا سيفسر تفسيراً جنسياً حسب فرويد وطرابيشي ، ألا يشبه هذا كلام بسطاء الناس في مجتمع مغلق عندما يتبعون كل جملة قد توحي بالجنس بقولهم  ( بلا قافية ) خوفاً من أن تفسر تفسيراً جنسياً ! لقد أنحدر النقد ( العلمي ) هنا  الى أسفل سافلين ! وابتعد عن الأدب والفن وحتى بمفهوم مدرسة الفن للفن ، وما رأي الناقد أذاً بهذه الأبيات للشاعر سميح القاسم
وأخاف ، أخاف من الغدر
من سكين يغمد في ظهري
ولكني يا أغلى صاحب
يا طيب يا بيت الشعر
رغم الشك ورغم الأحزان
أسمع أسمع وقع خطى الفجر _ الأدب الفلسطيني المقاوم ص88 غسان كنفاني _
، فهل يفسر الناقد جورج طرابيشي ( السكين في الظهر ) كما فسر الجملة السالفة ! لقد فهم غسان كنفاني هذا الشعر على أنه شعر مقاوم وهذا ما يفهمه الناقد والقارئ العادي  ، فالغدر من وراء الظهر والسكين بالظهر وغيرها تعابير مجازية واضحة ليست بحاجة لتفسيرات أضافية حتى في اللغات غير العربية ، وفي مختلف طبقات وشرائح المجتمع ! وأما التأويلات النفسية التي يدعيها جورج طرابيشي فأنها لم تفعل سوى الأساءة للنص نفسه وزعزعة الثقة بمثل هذا النقد ، بل وبالأشارة الواضحة الىعبثية فرض نظرية كاملة على نص أدبي بأكمله . لقد سقت هذا المثال كنموذج لما قد يفعله فرض مدرسة نقدية حرفياً على عمل أدبي ، وهذا يوضح  أنه لا يمكن حصر عمل روائي في قالب تحليلي واحد أو نظرية واحدة ، لأننا هكذا نظلم العمل ونظلم العلم والنظريات النقدية . كثيرة هي مدارس النقد  وخصوصاً بما يتعلق بالرواية وقد تختلف الآراء النقدية لنفس الرواية من ناقد لآخر ، يقول ( باختين )  أن "كل رواية أنما هي عالم قائم بذاته  ولها أدواتها النقدية المختلفة عن أية رواية أخرى ". وتوصل أنه لا يمكن وضع مقاييس دقيقة تقاس بها الرواية مثل نظرية رياضية ، فالرواية ما زالت تسعى نحو ذاتها بدون نهاية ، لأن الحياة نفسها متغيرة وليس لها ضوابط تقف عندها .
 ألا أنه  ثبت بما لايقبل الجدل وعلى جميع الأصعدة العلمية ، أن البيئة المحيطة بالأنسان لها تأثيرها الحاسم في تطوره بل في تركيبته العضوية ، ولعل الأكتشاف العلمي المذهل الأخير الذي أعلن عنه بأكتشاف الخرائط الوراثية لجينات الأنسان جاء ليؤكد تأثير المحيط على الأنسان ، وقال العلماء بصدد هذا الأمر " أن البيئة التي يعيش فيها الأنسان تؤثر فيه أكثر مما تصورنا حتى الآن ". ولكن ما علاقة  هذا بالفن والأدب الذي نحن بصدده ! نعم توجد علاقة مباشرة ، لقد أراد غسان أن يعبر عن الحياة بكل ما فيها ، ولكن بطريقة فنية ومن زاوية نظر الفنان وليس كناسخ لها ، " ثمة خياران أمام الروائي ، أن يتعامل مع معطى موجود محسوس جاهز ، وبذلك يكتب له السقوط ، أو أن يتخذ قراراََ بخلق جديد لهذا المعطى الموجود ، أي أن تكون لديه القدرة على أعادة خلق الأشياء والموجودات وبذلك يكتب له أن يرتقي الى مرتبة الفن " النص المرصود ص 20 سمير لحميدان .  هذه الحياة عند غسان والتي أراد تحويلها الى نصوص فنية ، هي حياة اللجوء والبؤس والتشرد وكما قيل من قبل ، من المستحيل الفصل بين هذا الواقع وكتابات غسان خصوصاً وأنه قصد ذلك ، ولكن المهم هل نجح بنقل هذه الحياة فنياً ودون أن يقع في فخ المباشرة والتقريرية وتكرار نفسه ، وتقديم ما هو جاهز كما هو  ؟
 لقد  بذل غسان جهداً جباراً لخلق الأنسجام والتوازن بين الفن والجمال المتوخى من العمل الفني وبين أبطال قصصه الحقيقيين الذين رآهم وعاش معهم بشكل شخصي في المنافي أو ممن تناقلت قصصهم الألسن ، لكنه لم يكن ناقلاً لحكايات بل كان جزءاً  منها ومتفاعلاً معها لأنه هو نفسه عاش في أجوائها وكتب قصصه من داخلها ،وبلغة كرة القدم هو لم يكن مراقباً كلاعب أحتياط لما يدور على أرض الملعب أو متفرجاً ، بل كان لاعباً وفي قلب الهجوم ( وهذا سبب قتله ) . فقد كان حريصاً أن يوصل فكرته الى القارئ العادي لأنه كان هدفه بالأساس ، ولم يكن يهدف الى أثارة أعجاب النقاد بكتابة أحجيات أدبية ومتاهات فكرية مغلقة ، فهو مسيطر على أبطاله الذين سيحملون مادة عمله ، فيعجنهم ويشكلهم من جديد كما يشاء له الفن ، فلم يكن ليسيرهم حسب أهوائه الأيديولوجية وما كانوا يسيطرون عليه لدرجة تحوله الى مرآة لهم ، فقد كان يلتقي بهم  على الطريق الذهبي ، فأخذت الشخصيات متنفساً لها وأنسابت بحرية داخلية ، وهذا لا يعني أنه أبتعد عنهم أو ترك بينه وبينهم مسافة ، بل كان يتغلغل بهم أكثر وأكثر حتى يلتصق بهم ويتقمصهم ، ثم يتحدث من دواخلهم ويكشف ويعبر ما يعجز الأنسان العادي أن يعبر عنه ، فكان تناوله عميقاً ولم تكن شخصياته مسطحة بل أمتازت بكثافتها السيكولوجية  ، كان  يفاجئهم هم أنفسهم بما كشفه وأستخرجه من أعماقهم ، ولكنه يشبه الغواص الذي يستخرج اللؤلؤة ولكنها ما زالت بحاجة لصقل ولتقديمها في شكل وغلاف جذاب  وهذا ما قام به غسان  ، وهذا سر عبقريته الفنية ، الفكرة العميقة والأخلاص للحقيقة والشكل الجميل  ، لا أستطيع تسمية أدبه البسيط الممتنع ، أنه العميق الواضح الممتنع ، لم يسع  للتخلص من السياق الزمكاني الأجتماعي العام للفلسطيني اللاجئ بشكل مصطنع كي ينتج فنه  ، بل سعى للألتصاق بالحياة  أكثر وأكثر ، حتى عندما كان هذا البطل غير فلسطيني (مثلاً  كما في قصة موت السرير رقم 12 فبطلها عماني لكنه كان غريباً ومات غريباً كرقم ) . أنه مثل عصفور يبتعد عن قفصه ولكنه مربوط به وأن كان هذا الخيط يطول أحياناً وبالكاد يرى ، فاللغة التي كان يتجسد بها الأبطال كانت تشير الى المسبب الأول كما سنرى والذي تسميه د. يمنى العيد ( الحوض  البشري الذي ينمو فيه ويحيا  النص الأدبي  ) فن الرواية العربية  ص 8 . وكانت نوعية كتابته جزءاً من نتيجة هذا الواقع ( الحوض البشري ) وبالتالي نتاج واقع أجتماعي سياسي  . ولعل أصعب ما يواجه كاتب في مثل هذه الحالة  هي الكتابة المعقولة ( أي أن  يتقبلها العقل ) في واقع شاذ لا معقول كما في رواية رجال في الشمس وعائد الى حيفا وفي معظم القصص  ،  غسان بعبقريته وموهبته الأصيلة  تمكن من خلق  المعادلة المتوازنة بين الفن وبين أظهار هذا الواقع الأليم الذي يعيشه هذا الأنسان ومن ثم وفي مراحل متقدمة أكثر الدفع بأتجاه الهدف الأيديولوجي ( التغيير ) الذي  أراد أن يسخر فنه لأجله بوعي تام ومع سبق الأصرار والترصد ، ويبدو هذا واضحاً بألحاح  في ( رواية أم سعد )  ، الى أن شكلت طريقة موته ذروة لحالته ( الأجتماعية  السياسية الأدبية )  وكأن هذا الموت وبهذه الطريقة جاء تكملة أو أمتداداً ونتيجة غير مفاجئة  لواقع لم يفرز سوى المآسي والويلات كما سنرى من خلال رواياته وقصصه التي أغتيل  بعضُها قبل أكتماله بأستشهاد الكاتب نفسه  ( العاشق _ برقوق نيسان _ الأعمى والأطرش _ ) ، فشكل موته وأدبه وقضيته وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها ،  تمازجت عناصرها  تمازجاً  عضوياً لترسم لوحة  تراجيدية متكاملة لهذا الأديب كجزء من المبنى العام للتراجيديا الفلسطينية ، ولا يمكن لقارئ يقرأ غسان أن ينسى أنه يقرأ لأنسان تم اغتياله على خلفية  سياسية ، فشبح الجريمة يطل من بين السطور والصفحات لتأخذ قصصه أبعاداً أكثر عمقاً وكثافة  . وبالأمكان القول أن غسان كان الوريث الشرعي لمن سبقه من كتاب وشعراء حملوا أرواحهم على راحاتهم ، ونذروا أنفسهم لقضايا آمنوا بها ( سأحمل روحي على راحتي وأهوي بها في مهاوي الردى فأما حياة تسر الصديق وأما ممات يغيظ العدى ) الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود  . أن الخطر الذي  يواجهه الكاتب في  حالات مشابهة هو السقوط في المباشرة والشعاراتية والتحول الى مرآة  تعكس حرفياً ما يدور من حوله بشكل تقريري على حساب العمق والتحليل والخيال و الصورة الفنية ثم التحول الى بوق لبث الأيديولوجيا ، ولكن  غسان سلك الطريق  الأصعب ، أختار طريق الآلام ، طريق الأبتكار والفن ، غسان لم يتهادن مع أبطال قصصه ولم يكن طيباً معهم ، لم يسايرهم رغم مآسيهم ، بل واجههم وجعلهم يواجهون أنفسهم مواجهة حقيقية مؤلمة ، وجعلهم يسألون أنفسهم الأسئلة الصعبة فطرحها بجرأة وبعمق ، ولكن بطريقته الفنية ، فهو يواجههم بالسؤال دائماً .. لماذا تركت ليلى وحيدة ! لماذا لم تقرعوا الخزان ! كيف يترك والدان أبنهما في السرير ويهربان !  لماذا لم تدافع عن حيفا ؟ لماذا لماذا لماذا !! 

 

الأبعاد النفسية للأنهيار

 عندما نشاهد أنتاجه الغزير في فترة قصيرة نسبياً ( شرد في الثانية عشرة من عمره وتوفي في السادسة والثلاثين ) نشعر وكأنه كان في سباق مع الزمن ، حالة  التشرد والأزمات السياسية الأجتماعية الضاغطة بعنف ، صهرت بنيته  النفسية في أتونها بالأضافة لمرضه وعذابه الشخصي بالسكري ( نلمس هذا بوضوح حاد في  قصة ( في جنازتي ) في مجموعة موت السرير رقم 12 ) . كذلك في قصة العطش أذ يقول الرجل الكئيب " عشرة فناجين قهوة بدون سكر وعلبة سجائر " ص184 القصص  ، ، وليس صدفة أنه بدأ أبداعه في سن مبكرة ، فالتجربة القاسية ألتقت مع العبقرية والذهنية المتوقدة ، بالأمكان ملاحظة ذلك من تواريخ كتابته لقصصه الأولى ( أواخر الخمسينيات أي عندما كان في العشرينات المبكرة من عمره ، فهو من مواليد عام 36 19) ،  وقد تمكن من ترجمة أحاسيسه وأفكاره الى فن ثوري جميل ، ثوري  في أستيعاب ما حدث ومن ثم ترجمة هذا الوعي الثوري الى فن ،  لنكتشف وراء كل تعبير رسالة مشفرة عن مأساة ندركها ليس من خلال الحواس الخمس فقط ، بل بأدراك داخلي عميق حقيقي وليس سطحياً أو ظاهرياً  فقط  ، فالمأساة ليست ما نراه من فقدان بيت ومكان عمل وهجرة من مكان الى آخر فقط ، فربما فعل هذا الأمر انسان برضاه وأختياره ، ولكن عندما يحدث هذا قسراً وتحت ضغط القوة والأرهاب ، ستكون له أبعاد في النفس البشرية والتي ستنعكس على مجمل المشاعر والعواطف والتفكير والقيم والتصرفات ، أنه أنهيار عالم بأكمله سيجد تعبيراته السلوكية وأرتداداته النفسية على ما قد ينتج هذا الأنسان من فنون وآداب ، وله تأثيره حتى على الجبلة  العضوية لهذا الأنسان ( كما تشير آخر الأكتشافات العلمية )  .
 عاش  غسان حياة الأنسان المنفي واللاجئ  المغترب  _ جسداً _ نفساً  _ فكراً _ فعلاً _ ، لم يترك غوراً ألا  سلكه وغاص به ، ولا سرداباً ألا ولجه مهما كان مظلماً ومخيفاً وبجرأة نادرة  ، ومن خلال الأنسان  اللاجئ عبر الى قضية الأنسان عموماً ، مازجاً بين  الهم الفلسطيني الخاص والهم  الأنساني العام ،  ليصل الى نتيجة حتمية وهي أن قضية الأنسان  لا تتجزأ ( كما سنرى فيما بعد في رواية عائد الى حيفا ) فالأنسان قضية .


            
شبح الأغتراب

 أهتم الكاتب جداً  بتفاصيل الحياة الصغيرة لأدراكه أنها في الواقع  تشكل  الحياة العريضة والعميقة ، فلا يمكن فصل القضية الكبيرة عن كيفية عيش هذا الأنسان والمركبات الصغيرة التي تشكل حياته ، وكما يقول في قصة ( الصغير يذهب الى المخيم ) " أن العالم وقتئذ يقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل .. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو أنتصار مرموق للفضيلة ، حسناً حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضاً . أليس كذلك ؟ أذن دعنا نتفق بأنه في زمن الأشتباك يكون من مهمتك أن تحقق الفضيلة الأولى ، أي أن تحتفظ بنفسك حياً "  ص717 القصص  ، لقد ركب واقع اللجوء وفككه وعاد فركبه كل مرة بشكل آخر وكأنه لعبة تركيبية ساخنة تحرق أصابعه وبنفس ثوري ، لكنه لم يكن أدب حرب ، وأن كنا نشم رائحة البارود والموت والبنادق في كثير من قصصه ورواياته ،   وأوسمة الشجاعة لا تمنح عند غسان بسهولة ولا بسطحية ولا بقرار ، وهي غير مقتصرة على المقاتلين في ميدان الحرب ، فالحرب تأخذ أشكالاً عديدة ، بدءاً من رغيف الخبز الى الجوع الجنسي  الى شكل الخيمة الى الصراع مع الطبيعة القاسية ، المطر والأوحال في المخيم ثم الصحراء والعزلة والحرمان ، وربما كانت حرب الرصاص هي أسهل الحروب وآخرها عند غسان أو في ما أسماه ( زمن الأشتباك ) كما يوضح ذلك في القصة السالفة ، بل نكاد نلاحظ الكثير من الجبن والتردد عند كثيرين من أبطال قصصه كما هو حال المدعو خيري في قصة ( شيئ لا يذهب )  موت السرير رقم 12 ، فالفلسطيني ليس ( سوبر مان ) بل هو أنسان عادي ، ولكن ويا للفاجعة حتى هذا كان بحاجة لأثبات  .  تورط غسان في المشاكل الأنسانية الأساسية غير المحلولة للاجئ ، الجوع ، السكن ، الغربة ، المحيط المعادي ، الحرمان ،  وهو ( اللاجئ )  بحاجة لطاقة نفسية هائلة لطرد شبح الأغتراب الذي بات يلقي بظله الثقيل عليه  أضعافاً مضاعفة عن غربة الأنسان العادي ،  ولهذا نجد أن الخارطة اللفظية في قصص كنفاني تحمل رائحة ولون ( الذل الجماعي والفردي ) وتهدم البنيان النفسي ،التشرذم والأغتراب  ،  فحالة الذل اللاذعة  تتكرر في معظم قصص وروايات كنفاني وتتجلى في التعابير الحسية والمعنوية ( الوحل ، الحقارة ، الصغار ، الذل ، العجز ، البحث عن أنسانية ضائعة  )  الخ  ، يركز عليها أمعاناً في سبر أغوار هذا الكائن الغريب عن ما يحيط به وحتى عن نفسه _ اللاجئ _ وبالتالي فأن تصرفاته ونفسيته وردود أفعاله أزاء  ما يحيط به تحمل سمة الغرابة والدهشة التي تلامس  الجنون في كثير من الأحيان ، كما في قصة (كعك على الرصيف ) في مجموعة موت السرير رقم 12، التي ينتقل بطلها من كذبة الى أخرى وبأتقان غريب ، وهي حالة من حالات الأغتراب الشديد يدافع فيها بطل القصة عن توازنه النفسي بالمزيد من الكذب ،  ليحرك هذا الجرح وكأنه يستمتع بعذابه هذا ، فكلماته حديد محمى يسفع بها الجرح بقوة  كي يصل بالتالي الى النتيجة الحتمية المتوخاة والتي لا يذكرها الكاتب مباشرة ، وهي ضرورة تثوير صاحب هذا الجرح ( اللاجئ )  وبالتالي  تغيير هذه الحالة غير العادية من الذل والهزيمة والعار  ، فهذا اللاجئ هو أنسان له ماض مفقود يساوي _كرامة ، عزة ، كبرياء ، وأحترام للذات _ وله حاضر يساوي _ ذل ، أهانة ، عجز ، أحتقار للذات ، وتأنيب ضمير ، _  فنرى أن أبطاله يعملون على أعادة هذا التوازن المفقود  ، لقد بلغ الأغتراب أوجه فصار هذا الأنسان بحاجة لأثبات أنسانيته أولاً لنفسه ثم  للمحيطين به ،  الذين نزل على أرضهم غريباً وبينهم لاجئاً  ثم للبشرية كلها ، هذا الأنسان  الذي وجد نفسه أمام قوة طاغية عنيفة جبارة لا ترحم تدفعه دفعاً الى مصير مشؤوم فقد فيه توازنه النفسي  ، يتحسس واقعه وأنسانيته ليقول  ، أنا أنسان أولاً ، وهذا الذي أعيشه واقع ، وهو بهذا يبدأ بمقاومة نفسية أمام هذا الواقع المسبب للجنون  ، لأعادة التوازن  المفقود بسبب الصدمة الكبرى والفقد المفجع  ، هكذا فقد بحث أبطال غسان في قصصه الأولى عن دعم نفسي هو أهم ما يقدم  للأنسان المغتصب المستباح ، فقد أشار في بواكير قصصه لهذا الأغتصاب بدقة ،ومعروف أن العلاج يبدأ بالأعتراف بوجود الحالة المرضية  ، فلم يتردد بالحديث عن ( ليلى ، كرمز وربما كواقع )_ يتكرر أسم ليلى كثيراً في قصص غسان _ ليلى  تغتصب لتسعة أيام متتالية بأيدي اليهود ، " قالت لي بصوت منخفض هادئ : لقد ضاجعوني طوال تسعة أيام .
لم أستطع أن أقول شيئاً .. بل لقد خيل ألي أنها قالت : لقد كنت أصلي طوال تسعة أيام " شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أواسيها بها شيئ حقير .. لا قرار لحقارتها أبداً .. وأنتشلَتْ الموقف بكلمة أخرى : يحسن بك أن تتركني .. أنا أمرأة مهترئة ". قصة  ( شيئ لا يذهب ) ص 63_64 القصص . الى أن يقول " لقد مضى زمن طويل على اليوم الذي خرجت فيه من حيفا ، وأشعر اليوم أنني لم أكن أستحق ليلى مطلقاً ! بل لم أكن أستحق حيفا نفسها . لماذا أهتمت هذه الأنسانة النبيلة بأنسان جبان مثلي ؟ " ص 66  . نلاحظ هنا أعتراف (خيري ) بطل القصة بجبنه ، وأعترافه أن ليلى كانت اكثر منه شجاعة رغم تعرضها للأغتصاب ، وقد رأى بأعترافها نوعاً من الصلاة  ، ونلاحظ أن ليلى هي حيفا وحيفا هي ليلى وأنها تحولت بصمودها الى شيء مقدس ، وهذه من بواكير قصصه ، وفي المرحلة الأولى ، أذاً يجب الأعتراف بما حدث ، أنها عملية أغتصاب ، ونلاحظ هنا أن البطل وكأنه يعذب نفسه فقد قال " تسعة ايام متتالية "  بهدف زيادة حدة المأساة ، ثم يؤنب نفسه ويعترف أنه جبان ، وهذا الأعتراف نفسه شجاعة بل بداية لبلورة فكرة الشجاعة من خلال تغييبها المؤقت ، كمن يعترف بخطيئته كي لا يعود لمثلها  .  لقد شكلت كتابة غسان مفصلاً هاماً في تاريخ الوعي النفسي الكتابي  الفلسطيني وربما العربي ، فالمغتصبة تحمل العار عادة ، ألا أن ( خيري )  أعتبرها شجاعة بل وقدسها لأنه شبه كلامها "كأنه  صلاة "، لقد تغير مفهوم العار ، والذي يحمله الآن هو البطل السلبي  خيري الذي كان سيخطبها ، ولكنه يعترف أنه لم يكن شجاعاً ليبقى ويدافع عن حيفا ، بل أعترف بشجاعتها هي وبأنه لا يستحقها وأنها كانت أشجع منه ، وبهذا أشارة واضحة وشهادة فخر لمن بقوا في وطنهم ، فهو ينظر اليهم بقداسة ، فهم  ليلى التي أغتصبت لكنها بقيت في وطنها ،وقد أختار أسم ليلى لما لهذا الأسم من صدى داخلي على المتلقي ، فليلى هي بطلة قصة حب عذري شهيرة ( يتكرر أسمها كثيراً في قصصه كما سبق وقلت ) ، وكأنه أراد القول أن الأغتصاب نفسه ليس أسوأ من ترك الوطن ، والتمسك بالوطن يجب أن يكون رغم كل شيء ، وأن ما ينتظر اللاجئ من ذل هو أسوأ من الأغتصاب .  (وليس صدفة أن أول من كتب بأحترام كبير عن الأدب الفلسطيني في الداخل هو غسان كنفاني ، فكان كتابه ، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال من 1948 الى 1968) .
                                 ********
  أمتاز غسان بشغفه بتفكيك  المسلمات وهدمها ثم أعادة بنائها كما سنلاحظ في روايتي  أم سعد وعائد الى حيفا  ،  لم يكتف بتفكيكها بل أعاد صياغتها ، ولا يوجد شيء مطلق أو طاهر غير قابل للنقاش  ، كل شيء قابل للنقد وأعادة النظر والشك ، والشك أحد مقومات الأبداع " القطبية بين الجماعة والفرد بين المؤمن والمتشكك بين القانع والثائر بين المتهرب والمتورط بين الأيمان بالطائفة والأيمان بعزة الأنسان ، هذه القطبية هي منشأ الشد والتوتر ومنشأ الصراع الخلاق للأدب "  الحرية والطوفان جبرا أبراهيم جبرا ص51  ، حتى عملية التهجير ناقشها بجرأة كما سنرى في رواية عائد الى حيفا ، فهو لا يتناول الأمور بالتبسيط المألوف ، بل يمضي في نبشه عن الحقيقة مهما كلف الأمر ، ومهما كانت النتيجة التي قد يصلها وبأخلاص شديد لفنه  .
                                ********
   تحاول  قصص المرحلة الأولى أعادة تشكيل الصورة التي تحطمت  ، فأبطال المرحلة الأولى من قصصه  يريدون  القول للقارئ وللناس عموماً ، نحن فقدنا مكاناً جميلاً هو الوطن ، لقد أرغمتهم حالة الأغتراب في واقع اللجوء الجديد الى محاولة  ربط ما أنبتّ بين ما كان وما هو الان في محاولة يفسرها علم النفس على أنها محاولة مقاومة من خلال الأعتزال والتقوقع داخل النفس والعيش في الماضي كأحد أنواع ردود الفعل على الأغتراب الشديد والعجز عن المواجهة أو التعايش مع الواقع   ، فنرى أنه أهتم بذكر أسم المكان المفقود في قصصه الأولى بشكل خاص ، هذا المكان يعيد له شيئاً من الأستقرار والتوازن ،وما دام هذا الأنسان عاجزاً عن الذهاب الى المكان والعيش فيه فليأت المكان أذاً ، فليتم أستحضار المدن والقرى  ،  يافا ، عكا ،حيفا ،اللد ،صفد ،نحف ،مجد الكروم الغبسية ، وغيرها من مواقع الدفء والسكينة ، ولكنه ليس حنينا رومانسياً ، بل يحوي  مرارة كالعلقم لا يسعى للتهرب منها  أو تجنبها او العيش بأوهام أستعادتها بدون تضحية  ، بل كانت واقعيته جارحة ومؤلمة ، وبغلاف فني جاء كضرورة مكملة  للمضمون ، وبهذا شهد له به كبار الكتاب والنقاد أمثال عملاق القصة يوسف أدريس الذي عبر عنها بتأثر عميق في مقدمته لأعمال غسان ( الكاملة ) " أقرأوا هذه القصص مرتين ، مرة لتعرفوا أنكم موتى بلا قبور ، ومرة لتعرفوا أن قبوركم تجهزونها وأنتم لا تدرون ، قبور الثقافة بلا ثورة والثورة بلا ثقافة ..الخ )" .
 لقد أرادها غسان ثقافة ثورة وثورة ثقافة  فارتقى  بالمفهوم الجديد من القديم بشكل مقنع ودون تعسف ، كتب بتكثيف شديد ولكن بوضوح  تام . فلا نجد في كتابة غسان التنميقات والبلاغة والبيان والتكلف ، ولا وجود في قصصه للغموض المغلق الذي يستعصي على الفهم ، هي بسيطة بساطة أبطاله ، قريبة جداً من فهم القارئ العادي ( بأستثناء المسرحيات ) ، ولكنها عميقة مثقلة بالعرق والوحل والدموع والدم والجهد والصدق ورائحة المنفى والعذاب والتراب ، وبصدق مدهش ومفاجئ حتى لأعدائه الذين عملوا على أخماد هذا الصوت بقتله  ، ولكن يد غسان التي بترها الأنفجار لتسقط بعيداً عن جسده   قالت ، أنه بمقدور المتفجرات أن تنهي حياة أنسان وأن تقطعه ، لكنها غير قادرة على طمس وألغاء ما سطرته يد هذا الثائر العبقري من أثر ، وتقف القوة عاجزة أمام الأبداع الحقيقي  ، وبالتأكيد  أن موت غسان بتلك الطريقة البشعة قد أعطى لكتابته صدقاً وحرارة ومعنى وطعماً غير مألوف ، وبات الفصل بين كتابته وفنه وأبطال قصصه وبينه شخصياً وبين طريقة موته غير ممكن ، بل ليس أخلاقياً ، ولا  يمكن للسنين أن تمحو هذا الفنان الأنسان الثوري  من وجدان الأنسان العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً  .   

 

ردة الفعل الأولى على الأغتراب المركب

 " الأغتراب حسب الأستخدام العام في العلوم الأجتماعية يشير الى حالة الأنفصال بين الشخصية الكلية والجوانب الدالة على الخبرات الخارجية ، ومن ثم يشير الأغتراب في ضوء هذه الرؤية للحالة الموضوعية للأغتراب من ناحية كما أن الأنفصال المبين يوضح الأنفصال بين الذات والعالم الموضوعي " * د . علي الشتا نظرية الأغتراب من منظور الأجتماع ص 380 .  من  السذاجة الأعتقاد أن الفلسطيني أكتشف أنه أضاع وطنه بمجرد  خروجه الجسدي  منه ، أو لأنه وجد نفسه في خيمة في جنوب بيروت أو على مشارف أريحا أو قريباً من دمشق وغيرها ، لأن  الأعتقاد السائد في تلك الأيام كان بأن  القضية ستحل خلال أيام أو أسابيع وأشهر على أبعد حال ، ثم يعود الفلسطينيون الى  مدنهم وقراهم وبيوتهم منتصرين معززين مكرمين ، وهذا يعني أن الأقامة في المخيم مؤقتة ، وستكون بمثابة رحلة ذكريات ، ولم تدرك جموع اللاجئين حجم الكارثة التي ما زالت تنتظرهم والتي حلت بهم ، وحلت مرحلة الأنتظار والتعلق بالمؤتمرات الدولية والأجتماعات العربية  والأدمان على الصحف والخطب النارية ونشرات الأخبار  . ألا أن الواقع الثقيل بدأ يفرض نفسه بسرعة بمضي الأشهر والأعوام الأولى التي صارت تظهر بوضوح أن حلم العودة بدأ يتضاءل وعلى الأقل ليس بالسرعة المرجوة ، وأصطدم الأنسان اللاجئ بواقعه الجديد المرير ( أبتعاد الأمل بالعودة ) الذي ناء عليه بكلكله فأفقده توازنه النفسي وبدأ شعوره بالأغتراب يتحدد ،وأذا كان لهذا الشعور ما يبرره عند الأنسان العادي لأسباب عديدة ، منها مثلاً فقدانه السيطرة على نسق الأنتاج والأستهلاك كما يقول هيجل ، فأن حقيقة أن يجد الأنسان نفسه لاجئاً فاقداً السيطرة على كل شيء  ..، مصيره ، عمله ، أرضه ، أسرته ،تأثيره ، محيطه ، مجتمعه ،أنتاجه ، وأستهلاكه ، حتى نوع طعام اللاجئ المخصص من الأونروا كان مفروضاً  عليه ،كما نلاحظ من المدخل الذي كتبه غسان لقصص " عن الرجال والبنادق " حيث توزع الهيئات الدولية والأجتماعية على أبناء المخيم علباً فيها ألعاب وطعام " وكان في العلبة بلا ريب لعب أطفال رائعة لكنها لم تكن لتؤكل وقد اهملت وضاعت وظلت علبة الحساء معي أسبوعاً ، أعطي أمي منها كل يوم عبو كأس من الماء كي تطبخه " ص620 القصص    أذاً فالغربة وصلت حتى الى طعامه المفروض عليه  ، هذا الواقع جعل هذا الأنسان  يشعر ليس بالأغتراب فقط بل ربما تجاوز مرحلة الأغتراب الى الجنون ، والأغتراب يؤدي الى سلوكيات معينة تختلف عن سلوكيات الأنسان المنسجم والمسيطر على ما يحيط به  . في قصة أرض البرتقال الحزين ينتظرون يوم الخامس عشر من أيار وهو يوم التحرير الموعود ،ويركض الناس وراء السيارات العسكرية العربية التي ستحرر البلاد ولكن فجأة يتضح أنه لا يوجد تحرير ويعودون الى ( الدار ) منهوكين  . " بعدها ، مضت الأمور ببطء شديد .. لقد خدعتنا البلاغات ثم خدعتنا الحقيقة بكل مرارتها .. وأخذ الوجوم يعود الى الوجوه من جديد ، وبدأ والدك يجد صعوبة هائلة بالتحدث عن فلسطين وفي التكلم عن الماضي السعيد في بياراته وفي بيوته ، كنا نحن نشكل جدران المأساة الضخمة التي تملك حياته الجديدة ، وكنا نحن أيضاً أولئك الملاعين الذين يكتشفون بسهولة شديدة ، أن الصعود الى الجبل في الصباح الباكر بناء على أوامر والدك ، معناه الهاءنا عن طلب الفطور . وبدأت الأمور تتعقد ، كان أبسط شئ قادراً بشكل عجيب على استثارة والدك .. أنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره .. لقد أنتفض ثم بدأ يرجف كمن مسه تيار صاعق .. ودارت عيونه تلتمع في وجوهنا .. كانت فكرة ملعونة قد أوجدت طريقها الى رأسه ، فأنتفض واقفاً كمن وجد نهاية ترضيه ، وفي غمرة من شعور الأنسان بقدرته على أنهاء مشاكله ، ومن شعوره بالرعب قبل أقدامه على شيء خطير أخذ يهذي ، وأخذ يدور حول نفسه باحثاً عن شيء لا نراه .. ثم أنقض على صندوق كان قد خرج معنا من عكا وأخذ ينثر  ما فيه بحركات عصبية مخيفة .. وفي لحظة واحدة " . ص373 ،القصص ويمضي الكاتب في شرح ما فعلته الأم أمام الخطر المحدق بأبنائها ، الى أن يقول " وعندما كنا ننظر الى الغرفة من شقوق الباب وجدناه ملقى في الأرض يلهث بصوت مسموع ويمضغ أسنانه وهو يبكي .. بينما قعدت أمك في ناحية تنظر اليه بجزع .. لم نفهم شيئاً كثيراً ولكنني أذكر أنني عندما رأيت المسدس الأسود ملقى على الأرض بجانبه .. فهمت كل شيء .. وبدافع من ذلك الرعب القاتل الذي يصيب طفلاً شاهد غولاً على حين غرة .. أخذت أعدو في الجبل هارباً من الدار .. وعندما كنت أبتعد عن الدار كنت أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته . كنت أشعر أن حياتنا لم تعد شيئاً  لذيذاً سهلاً علينا أن نعيشه بهدوء .. أن الأمور وصلت الى حد لم تعد تجدي في حله ألا رصاصة في رأس كل واحد منا .." ص374 أرض البرتقال الحزين . هذه الحالة التي شاهدناها من التزعزع النفسي  سترافق الكثير من أبطال قصص غسان أن لم يكن معظمهم ، وأذا ظهرت هنا بصورة واضحة ومباشرة فستظهر في قصص أخرى بصورة غير مباشرة وبتعابير أخرى .       
أذاً  ضاع الوطن وسوف يستمر ضياعه لمدة طويلة ومن ثم ما يترتب عن ضياع المكان والذي سيؤدي لتحلل هذا المجتمع وتفككه بل ضياع أفراده ، ولهذا جاءت قصص كنفاني الأولى كأداة لاشعورية لأعادة التوازن النفسي المتزعزع لهذا الكائن ( اللاجئ ) ،  فهو لم يعش ولم ينسجم بمحيطه الجديد بعد ، ولهذا سنرى فردوسه المفقود ، المكان الذي فيه الدفء والتوازن والعافية والصحة النفسية ، في معظم قصصه الأولى . في قصة ( البومة ) في موت السرير رقم 12 ، تذكره صورة  على جدار غرفته  في المنفى ( في الكويت ) لبومة مبتلة بحديقة بيته ( في فلسطين ) التي دفن تحتها صندوق قنابل ، يتذكر البومة التي راقبته وهو يدفن الصندوق تحت التينة قبيل الرحيل وعندما أقترب اليهود من البلدة "  كنت طفلاً آنذاك ، وكنا نشهد دون ان نقدر على الأختيار كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً ) ( البومة_ سرير رقم 12 )، هذه الذكرى ليست للبكاء والندب على الماضي ففي آخر القصة يقول " أوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري . لقد أنهكتني الذكرى ولكنني أحسست بأرتياح غريب فجأة فهأنذا التقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ! في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولة والموت ، وكانت البومة ما تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن متباعد وينحدر من منقارها المعقوف صرير حاد : أيه أيها المسكين .. هل تذكرني الآن ؟ ؟ " ص 53 . نلاحظ هنا شيئاً من التغيير الظاهر حتى بالرموز ، فلماذا أختار البومة الغاضبة ! البومة معروفة في الموروث الشعبي كعلامة للتطير ، وقد رآها غاضبة على التينة ، لماذا غاضبة ؟ طبعاً لما يحصل ( ضياع فلسطين شبراً شبراً )!  ولكنه هنا في الغربة ، عندما تذكرها أحس بشيء من الأرتياح ، وهذا يعني حالة نفسية جديدة تكاد تكون مقلوبة ، أن مجرد تذكره لحديقة بيته أعاد له شيئاً من الهدوء والتوازن والراحة ، وأن كنا نلاحظ أغترابه عن كل مكان سينزل فيه فيما بعد ، وسيحاول الأبقاء على العلاقة مع المكان ومع الماضي الذي يستمد توازنه  النفسي منه . حتى البومة التي تذكرها في الوطن لم تبق رمزاً للتشاؤم والتطير ، وها هي تخاطبه وتقول له _ أيه أيها المسكين _،  لقد  أنقلب أيحاء البومة من التشاؤم الى  الأرتياح  ، الأرتياح لأن البومة ذكرته بوطنه وبصندوق القنابل في الحديقة ، وهذه ليست دعوة للقتال بعد، لكنها تذكر بوجود هذه الأمكانية ، وأن الصندوق ما زال تحت التينة ، وقد يأتي يوم تستعمل فيه ، فهو يتوعد أذاً ، هذا البصيص من النور وأن كان يأتي وكأنه من كوكب بعيد ،  سبب له الأرتياح ،  ( القصة نشرت عام 1959 الكويت ) ، أذاً مهما ابتعد  فأن أبسط الأشياء ستذكره بوطنه وسيبقى   هذا الوطن المفقود مركز ومحور تفكيره في كل الحالات ، لأن الغربة ستزداد يوماً بعد يوم . ملاحظة ( لقد شاهدنا فقط قبل أشهر جموع اللاجئين يحجون  الى بوابة فاطمة على الحدود اللبنانية الفلسطينية بعد 53 عاماً من النكبة ، ليتعلقوا ( بحبال الهواء ) التي قد تعيد لهم شيئاً من أنسانيتهم وتوازنهم النفسي ، وكانوا على أستعداد للموت فقط لكسب هذا الشعور بالأمل . س .كيوان . ) . و ينهي القصة بالتساؤل على لسان البوم : هل تذكرتني أيها المسكين ؟" أذاً  لماذا مسكين !  لأنه بعيد عن وطنه وبيته وقريته ويعيش في المنفى وهو ما يعني بدء اكتشاف الذات ، وأكتشاف ما حصل والتأكيد على  فقدان الوطن ، فمن ليس له وطن يكون مسكيناً  ، وعندما يقول لهذا الأنسان طائر ( بوم ) أنه مسكين ، فهذا يعني أن مسكنته بلغت مرامي بعيدة لدرجة جعلت البوم يشفق عليه ،  وهنا نلاحظ أنه اشفق على نفسه ولكنه أعطى المجال لطائر البوم كي يعبر عن حالته أو هو الذي أوحى له هذا التفكير ، فالبوم لا يتكلم بالطبع ، ولكن البوم عكس حالتين نفسيتين مختلفتين للبطل ، والشفقة على النفس هي  أقسى درجات الشعور بالإغتراب .  لم يذكر الوطن بحنين ( نوسطالجي ) أي لم يذكر فقط ما هو جميل من الوطن ، لقد ذكر كيف صار يسقط هذا الوطن " شبراً شبراً ونحن نتراجع شبراً شبراً "،ص46 وكأنه يحاول بهذا أن يولج الى وعي المتلقي فقدان الوطن قطعة قطعة وحفنة تراب بعد حفنة ، كي يكون الأحساس بهذا الفقد ملموساً وفاجعاً وذا تأثير مضاعف ، ونقل هذا الضياع من حالة التجريد اللغوي الى تجنيد أكثر ما يمكن من الحواس و ترجمة اللغة الى أحساس  ،  للمس هذا الفقد والأحساس به ، فهو لم يقل ( وضاع الوطن ، أو غاب الوطن عن عيوننا ) بل ، ضاع شبراً شبراً ، فأذا فككنا كلمة _ شبراً _  فهي  تعني وحدة قياس هي الكف والأصابع ، وكي تقيس بالشبر عليك أن تلمس هذا الشيء الذي تقيسه ،وفي هذه الحالة فأن الكف تلامس التراب لأن الوطن هو الذي يضيع شبراً شبراً ، فهو فقدان شخصي وعام وملموس . وقد أختار وحدة القياس الحية والصغيرة ترجمة لصعوبة شعوره بالفقد ، وهو هنا ينقل هذا الوطن من المجرد الى الملموس المحسوس ، الى تراب ، الى لحم ودم الى أصوات ومشاهد ، مشاعر وأعصاب .
                          
                              

                                       ******

" سنرجع يوماً الى حيّنا "

سنرجع يوماً الى حينا
ونغرق في دافئات المنى
كلمات هارون هاشم رشيد 
غناء فيروز
تندرج في أطار ( أعادة تشكيل الوطن  والترميم النفسي ( أعادة التوازن المفقود ) ، قصص مجموعة " أرض البرتقال الحزين ، المدفع ، عن الرجال والبنادق ، وجزء من " عالم ليس لنا ، " وجزء كبير من مجموعة " موت السرير رقم 12 ،" .  
في قصة أبعد من الحدود ، في مجموعة " أرض البرتقال الحزين " وعندما يكون بطل القصة في حضرة موظف حكومي من الجهاز الأمني في دولة عربية ما  تتكثف حالة الأغتراب التي يعيشها هذا الأنسان اللاجئ والتي يعبر عنها بطل هذه القصة منفجراً  " _ لايا سيدي ، لاتحاول أن تستدعي كاتبك ليحمل لك الملف الذي يحتوي على كل التفاصيل الهامة وغير الهامة في حياتي .. تريد أن تعرف شيئاً عني ؟ هل يهمك ذلك ؟ أحسب على أصابعك أذن ( لنلاحظ هنا أحسب على أصابعك وليس في ذهنك ، في محاولة لتقريب حسي لما سيقوله ) : لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها أبي في صفد ، أبي يقيم في قطر آخر وليس بوسعي الألتحاق به ولا رؤيته ولا زيارته ، لي أخ يا سيدي ، يتعلم الذل في مدارس الوكالة ( لاحظ هنا تعلم الذل وليس العلوم العادية ) ، لي أخت تزوجت في قطر ثالث وليس بوسعها  أن تراني أو ترى والدي ، لي أخ آخر يا سيدي ، في مكان ما لم يتيسر لي أن أهتدي اليه بعد .. تريد أن تعرف جريمتي ؟ هل يهمك حقاً أن تعرف أم أنت فضولي بريء يا سيدي ؟ لقد سكبت دون أن أعي ، كل محتويات وعاء الحليب فوق رأس الموظف وقلت له أنني لا أريد بيع وطني .. في لحظة جنون .. ولكنني في تلك الزنزانة تيقنت أكثر من أية لحظة مضت بأنها كانت لحظة العقل الوحيدة في حياتي كلها " ( نلاحظ أن لحظة الجنون الوحيدة أعادت له شيئاً من هدوئه الروحي _ لأن عالمه كله مقلوب ) . ويمضي هذا اللاجئ  في حديثه معبراً عن حالة الأغتراب الفظيعة  الى أن يقول " أتعرف يا سيدي في الواقع لست ألا تجارة من نوع نادر ، أنا لست صوتاً أنتخابياً ، وأنا لست مواطناً ، بأي شكل من الأشكال ، وانا لست منحدراً من صلب دولة تسأل بين الفينة والأخرى عن أخبار رعاياها ، وأنا ممنوع من حق الأحتجاج ، ومن الصراخ فماذا ستربح ؟ لا شيء ، ( ارض البرتقال الحزين صفحة 281 . أذاً فهو لا شيء وهل توجد غربة أقسى من هذه ! أن يشعر الأنسان أنه لا شيء وفاقد السيطرة على كل ما يحيط به ، حتى على نفسه !  بل أنه يستغل بفظاظة من قبل الآخرين دون أن يكون له رأي في الموضوع  " أنتم الآن أمام حالة أذا خطر لكم ان تسموها لصوصية فأنهم لصوص ، خيانة  ! أذن خونة !" أنا اريد ان أقول انهم أيضاً حالة تجارية "   أنهم أولاً قيمة سياحية فكل زائر يجب أن يذهب الى المخيمات " " ثانياً قيمة زعامية فهم مادة للخطابات الوطنية " الأحوال السياسية صعبة أذن اضرب المخيمات ! أسجن بعض اللاجئين ، " أعط مواطنيك درساً قاسياً دون أن تؤذيهم .. " تستطيع أن تؤكد ولاء مواطنيك عن طريق الأدعاء بأن المتذمرين أنما هم بعض الفلسطينيين " ويمضي هذا اللاجئ  بالتحدث عن نفسه ". ألا أننا يا سيدي نقمة في كثير من الأحيان . نحن لصوص ، نحن خونة ، نحن بعنا ارضنا للعدو ، نحن طماعون ، طماعون نريد أن نمتص كل شيء هنا حتى التراب "  ص286-287  أرض البرتقال الحزين . ( نلاحظ  شدة الغربة في الجملة الأخيرة فهناك بالأضافة لمأساته من يتهمه ببيع أرضه للعدو وبالخيانة والطمع  ) ، هذا  اللاجئ بدأ بأكتشاف ليس فقط أنه لاجئ ، بل أن لهذا اللجوء أبعاده الخطيرة الأخرى فهو مستغل من قبل الحاكم العربي ، فيتكئ هذا على قضيتة لحل مشاكله أو التهرب منها ، بل أنه لا يتورع عن أستغلالها سياحياً وتجارياً ، فالمشكلة هنا لم تبق مشكلة اللاجئ  ، بل فيها تلميح واضح أن هذه المشكلة لها أسقاطاتها وتداخلها وتفاعلها مع  الوضع العربي العام ! . كما أسلفنا فأن أبطال غسان ما زالوا يكافحون لمجرد الأعتراف بهم كبشر كان لهم وطن ولكنهم فقدوه ، وهم في الواقع لا يختلفون عن أبناء البشر بشيء ، فهم لهم بيوت ومزارع وبيارات وشوارع ومدن وأرياف ، وهم يسعون للتأكيد عكس الواقع حيث  يذكرون أسماء  بلدانهم الأصلية في كل فرصة متاحة ، فأن لم يذكر أسم البلدة تماماً ذكر ( قرية ) تدل ملامحها أو أحداثها على فلسطينيتها  مثلاً  :
___  كنت طفلاً آنذاك وكنا نشهد دون أن نقدر على الأختيار ، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراََ شبراََ . ص 46 قصة البومة في غرفة بعيدة ،
__ دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها كثيراً .  شيء لا يذهب ص59 ،
__  وفي السيارة التي حملتنا الى المستعمرة المجاورة . منتصف أيار ص 77
__   " لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها أبي في صفد " أبعد من الحدود ص 279 أرض البرتقال الحزين .
__    " تقلب في فراشه وخيل أليه أنه يسمع قلبه يضرب في جسده كله كالوتر المشدود ، سوف يبدأ من البدء ، منذ غادر يافا الى عكا ليرى الفتاة التي كانت أمه تزمع أن تخطبها له " الأفق وراء البوابة  ص293 أرض البرتقال الحزين  .
__ "عندما خرجنا من يافا الى عكا " ( ص363 البرتقال الحزين "
__حينما وصل مع أمه الى اول بئر ماء بعد أن طردا من بلدتهما الصغيرة اللد " ص380  قتيل في الموصل .
    __  هي أرضك ألم تعش هناك ؟ أنك تعرفها أكثر من سواك ، في واحد من الحقول بنى اليهود خزاناً يسقي المستعمرات القريبة ، أعتقد أنك فهمت ، أن الديناميت الذي تحمله بكفيك ..  ص795( الى أن نعود )  المدفع ،
__  ومع أن سكان السلمة كانوا على يقين كبير أن ثمن مدفع من هذا الطراز لا يمكن أن يجمع من التبرعات .  المدفع ( المدفع ص806)
__  قرب قرية أبو كبير ابعد منها قليلاً  ( المدفع ) المدفع ص809 
في القصة التالية نجد حشداً من أسماء المواقع في صفحة واحدة .
___  وكان العالم الصغير ذاك مزيجاً من عمال أمتصهم الميناء ، مثل شافطة وحشية ، من كل ثقوب  الجليل  وفلاحين من قضاء حيفا صاهروا منذ زمن لا يستطيعون الوصول اليه بذاكرتهم  ، رجلاً ونساء في قضاء صفد ، وطفل واحد من أم الفرج ، أرسلته أمه الى حيفا ليرى فيما أذا كان أبوه ما يزال حيا، وهو يعود الآن  بالجواب ، ومحام وكل بقضية أرض في الكابري ، ويتعين عليه فحصها قبل جلسة المحكمة ، وامرأة تسعى الى خطب فتاة لوحيدها ، وسلال فيها طعام وخبز مرقوق وحمام طبخ في الطوابين ، ولعب اطفال وصفارات ومكاتيب حملت على الموقف من غرباء الى غرباء ، وشبابة من قصب لفتى أغلقت مدرسته قبل يوم واحد فقط ، وسائق يعرف الطريق مثلما يعرف زوجته ، من حيفا الى الطريق المتعرج الذي يطوق الخليج كالعقد ، صعودا حيث ينبثق النخيل مطعوجاً متراجعاً حائرا في عراكه الصامت الممض مع الرياح القادمة من البحر فوق نهر النعمين الذي يصب حزينا متعبا ولكن نقيا في الموج الصاخب فيرده ، بهدوء عنيد الى الوراء ، ومن هناك تتسلق السيارة الطريق الى السميرية " المزرعة " الى نهاريا لتنعطف شرقاً وتغوص عبر عشرات من القرى ملقية طوال الطريق راكباً هنا وسلة هناك ورسالة الى رجل ينتظر وزوجاً لأمرأة لم تستطع أن تنتظر .  قصة كان يومذاك طفلاً ص 870 المدفع.
__  في البدء لم يعرف أحد في الغبسية كيف جاء قاسم اليها وسكن فيها . العاشق ص421 الروايات  
__ اللحظة المناسبة التي ولد فيها قاسم من جديد في طول الجليل وعرضه بعد غياب طويل ، كالمد عاد فجأة فاذا به يملأ الجرود مرة أخرى من الجرمق الى ترشيحا الى جدين الى عكا . العاشق ص439
__  وكانت نابلس ذلك الصبح منكفئة على نفسها وكأنها ما تزال نائمة ، برقوق نيسان العاشق ص585
__ لأنني كنت اعرف والدك رحمه الله .. بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ سنوات . ص54  رجال في الشمس
__  أستدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة . رجال في الشمس  ص94
__  أو أن الرملة بعيدة جداً ، قبل أسبوعين كنت في زيتا . ص66 رجال في الشمس
__ لقد مضى هو صعوداً في قيظ لا مثيل له الى البروة ، ومن هناك الى مجد الكروم ، الى البعنة ، الى دير الأسد ، الى كسرى الى كفر سميع ، متعقباً أخبار بندقيته خطوة خطوة من قصة الى أخرى ومن رجل الى آخر وحين وصل ترشيحا جاءته  أخبار جديدة من شعب . قصة العروس ص601 المجلد الثاني
 


الدلائل اللغوية

" مثل الكلاب التي تشم بأنوفها على طول الجدار روائح نفاذة تستطيع هي وحدها أن تميزها ، وهي تقرب أنفها من الأرض وتلتقط روائح الأشياء التي يخجل منها الناس وتشم المعاني الخفية المشار اليها أشارة ، وتتبع آثار الذلة الخفية غير قادرة على الفكاك منها " من رواية صورة رجل مجهول ، لنتالي ساروت ، المعقول واللامعقول ، كولن ولسون ص102
الى جانب  ردة الفعل الأولى والطبيعية لحالة الأغتراب الشديدة وغير الطبيعية ،  نلاحظ الى جانب هذا أن معظم قصص الكاتب ورواياته مكتظة بموتيف  المرارة والأحباط والذل والأحتقار ( في الحاضر ) ، لدرجة أنه من الصعب أيجاد قصة واحدة تخلو من هذا (الموتيف )،  وهي تشبه الصفعات المستمرة من أجل أيقاظ مغمى عليه ، وأحياناً تشبه تلك الصدمة الكهربائية الأخيرة التي يضربون صدر المصاب بنوبة قلبية بها لأعادة النبض لقلبه ،  كثيرا ما نجده يصف الناس بالكلاب والقططة وحتى العناكب والديدان ،  هذه التعابير الحسية تمتد خيوط نسيجها الى الواقع التعيس بوعي الكاتب أو بغير وعي منه ، وهي تشير بوضوح الى دونية  يشعر بها الأنسان الغريب ، يقول باختين " أن اللغة بأعتبارها دلائل مركبة في نسق معين ، هي في الوقت نفسه أيديولوجيا ، كما أنها بالضرورة تجسيد مادي للتواصل الأجتماعي ، ولذلك فدراسة الدلائل اللغوية تعني في الوقت نفسه التعامل مع العلاقات الأجتماعية الأقتصادية . "  *. النقد الروائي والأيديولوجيا , ص74 د . حميد لحميداني .  وكأن الكاتب قصد من عملية تأكيد هذه الحالة أحداث طفرة مضادة لها فكرس جهداً كبيراً في هذا الأتجاه  ، موقناً  أن الخروج من حالة الخمول واللامبالاة لن يتم ألا من خلال التأكيد على هذه الحالة وأظهارها على حقيقتها لتحقيق الأشمئزاز والقرف والصدمة منها ومن ثم الأنتفاض ضدها ، يقول هيجل " بين الأهداف والتحقيق يوجد عنصر ثالث للفعل يتمثل في الوسيلة المحركة لعنصر التحقيق ويتمثل هذا العنصر الثالث في الأرادة ، أي فاعلية الأنسان بأوسع معانيها ، ومن ثم يتبين أن تحقيق الأهداف يخضع لعملية تفاعل أجتماعية تقوم على بعدين ، بعد داخلي وبعد خارجي ، ولكي يكون الفعل الناتج تلقائياً لا بد من قيام الوحدة بين البعدين الداخلي والخارجي ، أذ لكي أبذل جهدي في سبيل أي هدف لا بد من أن يكون ذلك هدفي بمعنى ما من المعاني ، ولا بد في تحقيقي لهذا الهدف أو ذاك أن أجد في الوقت ذاته رضاء لي " ص 380 نظرية الأغتراب (د علي الشتا )  . التأكيد على الوضع المزري سيكون جسراً لحث أبطاله للتغيير ، هذا التغيير الذي سيحقق للمجموعة وللأفراد الرضاء ،  فالأهانة مرافقة للاجئ كيفما توجه وأينما حل ، حتى النماذج غير الفلسطينية التي يتعامل معها في قصصه هي أيضاً مسحوقة تعاني حالات مشابهة ، وبمراجعة معظم قصصه  سنلاحظ هذه الحالة الأنسانية الغريبة التي يحتقر الأنسان فيها نفسه ويشمئز فيها من كل شيء ويشعر بالعار والدونية ،  وكما سبق وقلت فهو لا يبتعد عن  مرجعيته ليحقق فنه بل يلتصق بها ويتغلغل لأقصى درجة ممكنة ، . 
نبدأ من مجموعة موت  السرير رقم 12
من قصة شيئ لا يذهب
__ لم أكن استحق ليلى .كانت أحسن مني بكثير ، كنت جباناً . أخاف من الموت ورفضت ان أحمل سلاحاً كي أدافع عن حيفا .. كنت في رأس الناقورة عندما قالوا حيفا سقطت ،  ص65  .
__  شعرت أني أنسان لا يعيش على أرضه ، أنسان يجب أن يبقى طفلاً كما كانت تقول ليلى ، وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة ، ثماني سنوات أجتر ذكرى ليلى كأنها أنسانة صنعتها فقط لأذكرها ص 67
 من قصة كعك على الرصيف
__ هز رأسه فوق الحذاء دون أن يجيب وأحسست بأنه يخفي شعوراً بخجل صغير
_ أين تسكن ؟
_ في المخيم
_ مع أبيك
_ لا مع أمي
__ أنت طالب اليس كذلك
__ نعم
ونقر بأبهامه على النعل ، ثم طالعني بعينين صافيتين ، باسطاً كفه الصغيرة تجاهي ، وأحسست بخيط رفيع من الأسى في حنجرتي ، وتنازعني شعوران حادان  هل أعطيه أجرته فحسب ؟ أم أزيد عليها ؟ كنت حينما أعطى أجري حسب أستحقاقي أحس شرف عملي ، ولكنني حين كنت أوهب هبة ما كنت أقبلها وشعور بالأهانة يتراكم فوق سعادتي في أنني كسبت أكثر ص 84 -85
__ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر علىالأحتفاظ بمأساته الخاصة ، وضمها بعنف الى صدره .. كأنما كان هنالك شبه أتفاق مشترك على أن هذا واجب وضروري .  ص98
__ بدأت الكفان الصغيرتان تعملان بحذق فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوق الحذاء ، ثم وصلني الصوت أياه قائلاً ببساطة : أستاذ . أنت لم تغير حذاءك منذ عام … هذا حذاء رخيص ). ص98
من قصة ( في جنازتي )  :
_ كل شيء في العالم كان يقف في وجهه .. كل أنسان كان يصفعه ، وكل يوم يمر كان يبصق  في وجهه شعوراً مراً حاد المرارة بالتقصير . ص102_
__  فلنقل أنني أردت أن أغوص حتى عنقي في أوحال التحدي المغرور وأنني أردت لنفسي أن تفقد كل شيء على الأطلاق طالما هي فقدت أهم الأشياء . ص109 
_ قررت أن أصارحها مهما بلغ الأمر بي من ذلة ص115 الأرجوحة
  من قصة موت السرير رقم 12
__ كان الفقر شيئاً محفوراً في وجهه ، على زنديه ، في صدره ، في طريقة أكله ، في كل ما يحيط به من أشياء .  ص134 .
__  صحيح انه كان فقيراً ولكن ماذا يعني الفقر للمرء أذا كان لم ير في حياته سواه ؟ أن ( أبخا ) كلها تشكو الفقر وهو فقر مماثل تماماً لما يعانيه محمد علي أكبر ولكنه كان فقراً قنوعاً . ص134 . ( أبخا هي قرية عمانية ). 
  من قصة لؤلؤ في الطريق
__  لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل عذاباً ؟ أم للأمرين معاً ؟  ص155 .
__  كنا نعرف كل شيء عن الناس الذين يذوبون فيما هم يفتشون عن وسيلة للعيش ، وكنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش .. ص 156
__  وأستدار حسن فواجهنا وجه مظلل بمأساة متلبدة كتقاطيعه ، .. ص 157 
__ لا بد وأن أجرب حظي
__ أي حظ ؟
__  الحظ المدفون تحت ركام عذاب عشرة لأعوام .  ص 160 . ( نلاحظ أن أبطاله معذبون أيضاً ، حتى غير الفلسطينيين من العرب ).
   من قصة الرجل الذي لم يمت
__ وراوده شعور بالقلق وبالخزي في آن واحد .  ص 167
__  ولأول مرة عرفت كم هي قاسية ومؤلمة اللحظة التي يريد أن يبكي فيها الأنسان ، ورغم ذلك فهو لا يستطيع ،  ص179 .
__ وأعتقدت وهي جالسة تفكر أن السيد علي يخجل من هذا الجرح ، وأنه يراوده شعور بالخزي كلما وقف أمام المرآة كي يحلق ذقنه ، الى حد يود فيه لو يبصق على صورة وجهه المطبوعة .  ص180
   من قصة العطش
__  أتذكر أيها الكئيب يوم سمعت هذه القطعة لأول مرة ؟ ص183
__  لماذا لا تجلس على طرف السرير وتضع رأسك بين كفيك وتعترف بهدوء " أنا غريب " ص 184
__  أمس قام الرجل الكئيب ليشرب وحينما فتح الصنبور خرخر صوت عميق ولم تنزل أية قطرة .185
__  لن يقول لك أحد كيف نمت .. سوف تتناول فطورك في مطعم حقير وسوف تركض باحثاً عن أنسان تجلس معه .. أي أنسان تجلس معه . ص 186 .   
  في قصة ( المجنون )  من نفس المجموعة نقرأ ما يلي :
__  أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص به سواي .  ص 189
__ وكان الأطفال يقفون الى جانب المنعطف ويصيحون باصوات رفيعة  " متى ستصبح كلباً " ولكني لم أهتم بهم  ص 190
__  أمي تحب الكلاب لقد تزوجت كلباً ذات يوم ثم طلقها لأنه ذهب مع كلبة أخرى . ص190 .

__ كانت السيارة تحت ما زالت تبدو ككلب مضغوط ميت ص208 قصة ثماني دقائق .
وطبعاً لا بد من الحقارة كما ذكرنا
__ لا شك أني حقير ، أقارن أجازتي بموت أنسان  ص 207
والتعاسة أيضاً لا بد منها :
__   كان رأسه خالياً من كل شيء وكانت في صدره رغبة حارة لبكاء بلا دموع . ص208
 في قصة أكتاف الآخرين :
__  ووقفت أمام مكتبه طاوياً كفي على بطني ( هأنذا ، لقد عدت ككلب ) ! ص 219 ،
نلاحظ تشبيه الأنسان  بالكلب يتكرر في كثير من قصصه أمعاناً في هذا الشعور بالنقص وأحتقار الذات ، حتى السيارة وصفها ككلب ميت مضغوط .

من قصة قلعة العبيد
__ أن يمضي الرجل سبعين سنة من حياته بصورة قاسية ، أن يعمل أن يتعب أن يكون موجوداً يوماً أثر يوم وساعة وراء ساعة أن يأكل طوال سبعين عاماً من عرق كفيه ، أن يعيش اليوم آملاً في غد أفضل أن ينام كل ليلة سبعين سنة لماذا ؟ ليقضي بقية عمره مطروداً ككلب ، وحيداً جالساً هكذا أنظر اليه كأنه حيوان قطبي فقد فراءه .. ص 229 
من قصة القط
__  لقد كتم أبتسامة سخرية مرة وراودته  رغبة في ان يوقف كل رجل يمر به ويهزه من كتفيه ويصيح به : أنت مسكين ص 252
__  أن لغرفة العاهرة رائحة خاصة ، لا بد أنها تنبعث من مكان ما من السرير ، الستائر ، أم أنفي نفسه ! ولكنها رائحة متميزة  أستطيع شمها ككلب صيد مدرب .. كلب ؟     ص254_
__   نظر الى الحائط يسحق الجملة التي أخذت تعوي كذئب في رأسه ص254

من قصة الخراف وهي القصة الأخيرة في مجموعة موت سرير رقم 12 يختتمها بالجملة التالية
__ كانت نوبة الفلسفة ما زالت مكلبة بعقلي الزميلين في المقعد الخلفي ووجدت نفسي مرغما على أن أكرر لنفسي تلك الجمل الحقيرة التي ما برحت تفتك بعقلي منذ زمن طويل : هذه رحلة عجيبة اليوم ليست سوى مأساة وغدا سوف نقول عنها أنها مغامرة ص267.
 نلاحظ أن قصص المجموعة كلها لم تخل من التعابير والأوصاف التي تقدم ذكرها ، ولعل القصة الأخيرة ( الخراف ) هي الوحيدة التي حملت طابعاً آخر رغم أنها تحدثت عن بؤس راع بدوي ألا أنه عاد ووصف الجمل التي رددها بأنها حقيرة .
ننتقل الى مجموعة أرض البرتقال الحزين وسوف أكتفي بالأشارة الى بعض الجمل من كل قصة ولا تخل أية قصة من الحالات التي ذكرناها  .
لنرى بعض ما جاء في قصة أبعد من الحدود ، ففيها تشابيه وتعابير الذل والأحباط والبؤس  مكثفة جداً . 
__  أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك . ص279 
__ لي أخ يتعلم الذل في مدارس الوكالة . ص280
__ يا سيدي أنا أذن خنزير حقير .. أتسمح لي أن أكونه ؟ ص281
__ أنا لست صوتاً أنتخابياً وأنا لست مواطناً ص 281
__ وتبدو لي حياتي ، حياتنا كلنا خطاً مستقيماً يسير بهدوء وذلة ، ص 282
__  ألست ترى أنكم أستطعتم نقلي بقدرة قادرة من أنسان الى حالة ؟ ص285
__ لا بأس لن ينالني العار أكثر مما نالني ص286
__ أية حياة هذه الموت أفضل منها ص287  
من  قصة السلاح المحرم
__  أنظر الى عينيه الزرقاوين كيف تغزلان ، أنه ملعون حذر ككلب صيد . ص303
__  وأحس _ فيما كان على وشك أن يبكي بأن لا مناص ص315
من قصة الأخضر والأحمر من نفس المجموعة فنجد ما يلي :
__  كفاه فيهما عشرة أصابع كل اصبع له ثلاث عقد تماماً مثل الأنسان . ( نلاحظ هنا جملة مثل الأنسان ، أمعاناً بالأغتراب ) ص357
__  فأنطلق الىأمام شاقاً بأظافره طريقه الصغير كالدودة . ص358
__ كل الناس فوق كاهلك ، وأن تأكل تراباً وتتنفس وتشرب عصير التراب ؟ ص359
___  أيها ألأسود الصغير وأنت ماض كالدود تبحث عن ماذا ؟ أي خلاص ترتجي ؟ أين سينتهي بك الطريق التعس ؟ ص 360
  في قصة ارض البرتقال الحزين
__  وقمت كالمسعور وانحدرنا عبر التلال حفاة في منتصف الليل ص370
__  يجب أن لا نطلب الأكل ولو جعنا ص373
__ وكانت عيونكم تلتمع كأنها عيون القطط ص374
__  لقد دخلت الغرفة متسللاً كأنني منبوذ ص 375
في قصة قتيل في الموصل نجد ما يلي :
لقد كان الطريق طويلا منذ غادر البئر الى أن وصل الى باب الجامعة كان طريقاً طويلا موحلاً _( الموحل هنا مجاز ) ص 381
__ حين تعبرون الطريق الى فلسطين سوف أكون خلفكم أنا صرصار صغير سأحتمي بأظلال فيلة هنيبال . ص382
__ ألاحظت ؟ أنهم يحشدون أنفسهم كالديدان ص 386
__  بغداد ! كل شيء أصبح غير ذي معنى الديدان خرجت من باطن ألأرض ،   ص387
__  وفي الصباح هبط الجيش الى الشارع كان كل شيء يحتم هذه اللحظة وهربت الصراصير من جديد ص 388
وفي  قصة  ( لا شيء )
__  كان ثمة عنكبوت أسود كبير قد تمركز في جبينه من الداخل يبني شباكه الدقيقة القاسية بين عينيه ص 396
__ أشار الى جانب رأسه مرة أخرى ومضى العنكبوت يشد خيوطه ص396
__  نظر الى الممرض بأمعان كان العنكبوت قد بدأ يتلاشى . ص402
ونقتطف من مجموعة ( عالم ليس لنا ) ما يلي :
___  ذلك البناء القميء الذي كان يعج بالفئران والجيران بشكل لا يحتمل ص425  قصة الصقر
__  أغلب الظن هكذا كنا نعتقد ان جدعان يحتقر بكيفية ما زميله مبارك ص427
__  ضد جدعان أنه يرفض تنظيف المراحيض حينما يأتي دوره ص 427
ومن  قصة كفر المنجم   : 
__  أنني أكره هذا المقهى ص439
__ وبصوت خفيض قلت لنفسي أنني واهم ومنافق ص440
__  كان العالم يبدو في عيني وهميا فقررت من جديد انني لا استحق الحياة ص442
__ مثل كل يوم الناس يتدافعون والسيارات تتبارى وشتائم بائع الكعك ص 446
ومن قصة ذراعه وكفه واصابعه :
__  أيها العجوز الخرف ..واكتشف في تلك اللحظة ان هذه الجملة الصغيرة ترددت على لسانه طوال السنوات الاربع الفائتة دون كلل ودون توقف ورغم طول الزمن لم تفقد شيئا من معناها مغزاها ولؤمها ص450
__ وانهمر على ركبتيه امامه وحاول ان يقبل يده ولكن خيري شد يده بعنف وتراجع خطوة الى الوراء وصاح بكل ما في وسعه : أنت عجوز خرف ص451
__  أعجوز خرف لأنني احببتك ! لأنني كنت ذليلاً على قدميك 1 ص451
ومن قصة عشرة امتارفقط :
__  ولم تستطع العلاقات الواسعة تلك ان تدخل الى حياتنا الا شيئا بسيطا وتافها من النكهة والمذاق ص 461
__  كنا نمضي أيام العطلات في تجمعات صغيرة نلعب الورق ونشتم ونسلي انفسنا هكذا كنا نسمي الأمر مجرد تسلية بمقامرات صغيرة ص 461
__ كانت المرأة يافعة نضرة وان كانت قذرة ص462
__  كلا كلا أنا أعرفكم سوف أجد في الداخل عشرة رجال على الأقل ولسوف يتناوبوني أنتم تكذبون دائماً ص 462
__ كم نحن سخفاء حين ندخل الحضارة قسرا الى اليأس والأسى الأنسانيين ص462
__ شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه داخل سيارة مستفيدا من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين انسانيته معطلة تماما ص 462
__  ألا أنه كان يرتد الى الصمت بنوع من الذلة ص 464
__  لست أفهم كيف تقول لا يهمكما وانت لست ألا  قواداً ص466
ومن قصة المنزلق :
__  وقد أتفق أولئك مع ابي على أن يكتموا السر عن مخدومهم مقابل أن يصلح لهم احذيتهم مجاناً ص 473
__  ولم يستطع الخدم أن يجدوا صندوق أبي بين كل تلك القشور ص474
__  ولكنني لست مجنونا أذهب الى قصر الرجل الغني وانظر الى أحذيته فستجد عليها اطرافا من لحم ابي ص 476
 و من قصة علبة زجاج واحدة :
__  كنا نعيش كفئران التجارب ص 481
__  هو ذا عالم فاوست الشياطين والسحرة أتوا من انحاء العالم وزواياه ليجتمعوا هنا ، وهأنذا في صميم الضجيج عاهرات طلين وجوههن بمساحيق شيطانية _ ويتمسكن بالعبور ليكتشفن رجلا سكرانا يسهل جره الى غرفة الرجس ص486
__  وانحنت فرفعت ثوبها الطويل وكشفت عن بطن متهدل منفوخ . كان الثوب قد وصل الى اسفل ثديها وكانت تلهث كانها موشكة على البكاء ص489
__  سوف تضعين سبعة جراء صغيرة كالقطط ص489_
___  أنه شيء لا يحتاج الى حساسية خارقة أن يكتشف المرء بأن شعوراً عاما بالخجل كان يسيطر على الجميع ص 491
ومن مسرحية جسر الأبد
 بلى فكرت كثيراً دون جدوى أحس أحياناً أنني فأر تعس أطبقت وراء ذيله مصيدة جبارة . ص50 طبعة الأسوار
ومن رواية رجال في الشمس
__ في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقع ككلب عجوز في بيت حقير .  الأعمال الكاملة ص46 
__  وكانت الرسالة تشبه صفاء تلك السماء فوقه ، ليس يدري كيف أجاز لنفسه أن يصف أباه بأنه مجرد كلب منحط ولكنه لم يشأ أن يشطب ذلك بعد أن كتبه . ص 76 الأعمال الكاملة . 
__ قصص رجال تحولوا الى كلاب وهم يبحثون عن نقطة ماء ص112 الأعمال الكاملة .
__  أترى هذا المخلوق الحقير الذي هو أنا ؟ ص114  الأعمال الكاملة .
كما لا حظنا فأن التعابير الحسية مسحوبة من واقع بائس أكد عليه الكاتب بحرقة بهدف خلق طفرة  التمرد والثورة ، من خلال التأكيد عليه والأصطدام به وليس تجاهله كما جرى حتى الآن " في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر ،لقد أحتجت الى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وشبابك وقريتك كلها ، في هذه السنوات شق الناس طريقهم وأنت مقع  ككلب عجوز في بيت حقير ، ماذا تراك كنت تنتظر ؟ أن تثقب الثروة سقف بيتك ؟ بيتك ؟ أنه ليس بيتك ! رجل كريم قال لك أسكن هنا " رجال في الشمس الأعمال الكاملة ص 46 .   فهو لم يتحدث عن فلسطين الفردوس المفقود فقط بل عن الحاضر التعيس الذي تطحن فيه كرامة الأنسان ،وسنجد أن براعم الثورة على هذا الواقع قد بدأت تظهر في  بعض القصص ، وسنجد أن تمتمة وليست صرخة أولى نطقت بكلمات ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ في رواية ! رجال في الشمس ، ) هذه التمتمات تتطور وتصبح طعنات  وجهتها  مريم لزكريا الخائن وحامد للجندي الأسرائيلي في رواية ( ما تبقى لكم ) ، لقد كانت طعنات لهذا الواقع الحقير .

 

رجال في الشمس ..فشل محاولة أستنساخ الفردوس المفقود

لقد سبق وأن مُسرحت هذه الرواية  على يد المخرج رياض مصاروة ، كذلك  قدمها المخرج منير بكري باللغة العبرية في الآونة الأخيرة ، وأعتقد أنها قُدمت في السينما أيضاً ، وصرخة لماذا (لم يطرقوا الخزان ) ، أصبحت جزءاً من تراث الفلسطينيين الفكري والدلالي  ، الأمر الذي يشير الى أهمية هذه  الرواية التي أعتبرها بعض النقاد أولى الروايات الفلسطينية الملتزمة ( أنظر فاروق وادي ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ) ، وقد تركت بصمتها الواضحة في وجدان القراء  والنقاد على حد سواء ، فما هو سر قوة هذه الرواية ؟
لقد توفرت الضرورة الأولى للرواية وهي المضمون أو الفكرة ، فقد جاءت بلا شك  قوية وحادة ومؤلمة جداً  ، والقارئ لا يمكن أن ينسى عملاً فنياً يسبب له الألم ، لأن هذا يعني أن الكاتب قد نجح بملامسة مشاعره ، فأنت كقارئ سوف تتعاطف مع أبطال الرواية لأنك ستشعر بالظلم الواقع عليهم خصوصاً نهايتهم المأساوية التي قد تكون حصلت بالفعل لأمثالهم من المتشردين فأن لم تحصل فعلاً فأن  أمكانية حصولها  واردة ، وأذا كنت فلسطينياً   فقد تتخيل  أمكانية وجودك أنت مثلهم في الخزان كضحية فتتماهى معهم ،  وهذا بحد ذاته يعطي للرواية قوة ومبرراً ، وهو الوجه الأول الضروري لأي عمل روائي ،  ألا أن المضمون مهما كان قوياً   لا يسمى  رواية ناجحة ما لم يقدم  بأدوات  ترتقي وتحلق به الى فضاء الفن والأبداع (الشكل ) ، وبما أن القارئ والناقد قد أحبا هذه الرواية وما زال لها حضورها وصداها بعد حوالي أربعة عقود على صدورها ، فهذا يعني أنها دخلت فضاء الفن والأبداع ، فما هي هذه الأدوات التي أستخدمها الكاتب لتحويل فكرته الى فن !    لقد قسم الكاتب الرواية الى سبعة أقسام أو فصول ، وهي _ أبو قيس _ أسعد _ مروان _ الصفقة _ الطريق _ الشمس والظل _ القبر . وهي سبع لوحات كبيرة كل لوحة تكمل الأخرى  مثل معارض الرسم الحديث التي نشاهدها ، لوحة تكمل الأخرى وأن كان من الممكن أن نشاهدها كلاً على حدة ، ألا أن اللوحة  تكتمل وتأخذ بعدها الحقيقي الى جانب أخواتها ، فاللوحات السبع  تشكل عملاً فنياً واحداً , وكي تكمل بعضها بعضاً فلا بد أن يكون في اللوحات السبع ما هو مشترك ، ولا بد أن تكون الألوان والأحجام ومساحات  النور والظلال متناسبة بحيث تبدو مكملة لبعضها البعض وليست ملصقة على بعضها ، أي أن التكامل فيما بينها يجب أن يتم بتفاعل عضوي داخلي وليس سطحياً ، أن يأتي من صلب الأحداث الهامة في الرواية وليس من سطحها ،  فهل يوجد هذا التكامل !  في هذه اللوحات ؟ هل هناك ما يوحد هذه اللوحات ! 

  


الزواج والأسرة

في هذه اللوحات نجد أن قضية الأسرة والألتزام بها والخوف من تفتتها تشكل ( موتيف ) مشتركاً  ، الأربعة أتوا من مجتمع محافظ عموماً ،  تلتحم فيه الأسرة بعرى وثيقة . ونلاحظ أن عرى هذه العلاقات بدأت تنبت وتتحلل  ، فالأبطال  الأربعة الرئيسيون  ، أبو قيس ، مروان ، أسعد ،  أبو الخيزران ،  يشكلون أربعة أضلاع متساوية متناسبة وذلك أن الأسباب التي حدت بهم للسفر واحدة ( البحث عن العمل والمال ) ، وحالاتهم الأجتماعية متشابهة ، وأصولهم من نفس المكان ( فلسطين ) ونهايتهم واحدة ، وبالأمكان القول بوجود تناسب جمالي ، يشعر القارئ جراءه براحة ومتعة  وذلك لوحدة الموضوع وتماسكه الأمر الذي يجعل القراءة مريحة  ،  طبعاً فأن دقة التعابير والأيجاز  ، وعملية السرد المسبوكة بمهارة  مثل ضربات الفرشاة المتناسقة والمتناسبة على اللوحة في المساحات والألوان المتسلسلة  بخطوط رفيعة ، تصبح أثخن كلما تقدمنا في الرواية  ، الى جانب هذا فأن اللغة هي ألوان الكاتب ، هي المادة التي يصنع منها فنه ، فلننظر كيف يستخدم غسان اللغة ( الألوان ) ، في الصفحة الأولى من هذه الرواية .
  " كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل أليه أنه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد أغتسلت بالماء البارد ، .. الرائحة أياها ، رائحة أمرأة أغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً .. الخفقان ذاته : كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفوراً جميلاً .. " ص37 الأعمال . نجد في هذه اللوحة ،_   الرجل  _ الأرض _ المرأة   _ جمال المرأة وأنوثتها  _  الماء  _ الرائحة المثيرة  _  الخفقان ، المشاعر  _ عصفور جميل بين كفين حانيتين . أنها قطعة من القطع التي تشكل اللوحة الأولى ،  وبقراءة متأنية فأنك تكاد تلامس اللوحة بأصابعك وتراها بعينيك . مثل هذه الصور تجذب القارئ وتشده لمواصلة القراءة بمتعة ، لقد أرتقى هنا بالواقع الى مرتبة الفن ، لقد عبر تعبيراً رائعاً عن علاقة أبي قيس بالأرض وبزوجته ، هذه الزوجة الرائعة هي التي سيضطر لأن يتركها وراءه بسبب الحاجة ، وسيسافر آلاف الأميال الى المجهول !    
نبدأ بالتسلسل كما جاء ترتيب أبطال الرواية .
أبو قيس رب أسرة تشرد من فلسطين ، لم يصدق ما حصل له بعد " لقد أحتجت الى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها ص46 الروايات الآثار الكاملة . ( هذا يؤكد ما سبق وقلنا أن اللاجئ لم يكتشف ولم يقتنع بعد بما حدث له )
. لنقرأ هذا الحوار بينه وبين صديق له يدعى سعد سبق وسافر وأحضر مالاً يحثه على السفر الى الكويت ، يقول له  : " أتعجبك هذه الحياة هنا ؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ .. حرام ! أبنك قيس ، متى سيعود للمدرسة ؟ وغداً سوف يكبر الاخر .. كيف ستنظر أليه .
__ طيب كفى "
__  لا لم يكف حرام ! أنت مسؤول ! الآن عن عائلة كبيرة ، لماذا لا تذهب الى هناك ؟. ما رأيك أنت ؟
( سعد يقنعه والزوجة تستمع ، وعندما يسألها ما رأيك يا أم قيس تقول )
: " كما ترى أنت .. "
_ سيكون بوسعنا أن نعلم قيس "
_ نعم
_ وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين
_ طبعاً
_ وربما نبني غرفة في مكان ما
_ أجل ص48
أذاً فواجب أبي قيس تجاه الأسرة المدقعة في الفقر دفعه للسفروترك زوجته وأولاده ، نلاحظ أنه سيحاول في غربته أحضار المال لأستنساخ فردوسه المفقود وليس تحريره ، فهو يطمح لأعادة زرع شجرات الزيتون وأعادة بناء غرفة في مكان ما ، وكأنه قرر الركون الى هذا الواقع وقد بدأ تعامله معه بعد عشر سنوات من الأنتظار والأعتكاف غير المجدي ، أذاً سيحاول أبو قيس الخروج من قوقعته وعزلته ، هذه العزلة التي هي في جوهرها محاولة دفاع عن النفس في واقع الأغتراب ، فالواقع أقوى من الأستمرار بتجاهله ، وهناك حاجات انسانية يومية تضغط على هذا اللاجىء ، أضطرته الى التوغل في الصحراء بحثاً عن المال ، وهو يعتقد أو يحلم أن هذا المال سيعوضه  عن الوطن لأنه بهذا المال سيستنسخ ماضيه المفقود .

__ الشخصية الثانية أسعد وهو شاب يريد السفر لكنه لا يملك فلساً واحداً  ، ألا أن عمه يعطيه تحويشة العمر خمسين ديناراً ، وذلك كي يذهب ويعمل ويعود ليتزوج أبنته ندى ،   _ يقول عمه " أنني أريدك أن تبدأ ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك أن تتزوج ندى .. أنني لا أستطيع أن أتصور أبنتي المسكينة تنتظر أكثر هل تفهمني ؟" ص61  . أذاً فرغم كل ما حصل تستمر الحياة ، وبعيداً عن الشعارات فأن سلم الأولويات عند عمه هو تزويج المسكينة أبنته ، أذاً فالواقع الجديد ( اللجوء ) بدأ يأخذ صورة الأستمرارية والعودة الى الحياة الأجتماعية ولكن بصورة مشوهة ، وبدأت عملية اللجوء تبتعد عن كونها ظاهرة مؤقتة  .
__ الشخصية الثالثة مروان . هو شاب في مقتبل العمر يترك المدرسة كي يذهب الى الكويت للعمل وأرسال المال لأسرته بعد أن ترك والده الأسرة وتزوج من شفيقة المبتورة الساق فقط لأنها تملك ثلاث غرف ، بينما هو وأسرته لا يملكون سوى غرفة من الطين ، وصديق والد مروان  وهو والد شفيقة يريد أن يتخلص من عبء أبنته ليلقيه على زوج . " لقد عرض عليه صديقه القديم والد شفيقة أن يتزوجها .. قال له أنها تملك بيتاً من ثلا ث غرف في طرف البلد دفعت ثمنها من تلك النقود التي جمعتها لها منظمة خيرية .. وأبو شفيقة يريد شيئاً واحداً : أن يلقي حمل أبنته التي رفضها الجميع بسبب تلك الساق المبتورة من أعلى الفخذ ..على كاهل زوج ! أنه على حافة قبره ويريد أن يهبطه مطمئناً على مصير أبنته " ص80  .
ولكن لنفس الأسرة أبن يدعى زكريا سبق وسافر الى الكويت وأرسل لهم المال لكنه منذ تزوج هناك كف عن أرسال المال وهذا حدا بمروان أن يسافر لأعالة أمه ونصف دزينة من الأفواه المفتوحة . 
نلاحظ هنا أن جميع الأسر المذكورة في طريقها الى التفسخ بسبب هذا السفر غير المأمون العواقب، وكل هذه العلاقات مبنية على خطأ ، أبو قيس الكهل  سيبتعد عن زوجته  التي ذكرها بشهوة في الصفحة الأولى  في مغامرة غير مضمونة لأعالتها وضمان تعليم قيس  ولأستنساخ وطنه المفقود وليس تحريره ،  والله أعلم متى سيعود اذا عاد !  وأسعد حصل على النقود من عمه الذي يريد أن يزوجه  من أبنته ( ندى ) التي  لا يحبها  أسعد بل ويتساءل لماذا أنتظرته لمجرد أنهم قرأوا لهما الفاتحة يوم ولادتهما ! فهو يرضى بأخذ النقود من عمه رغم عدم أقتناعه وعدم نيته بالزواج من ندى .  أما والد مروان فقد تزوج من شفيقة أبنة صديقه لسعيه الى الأستقرار ( أستنساخ مزيف  للأستقرار ، فقد حصلت شفيقة على الغرف الثلاث من جمعية خيرية  ) ، ولكنه مقابل هذا الأستقرار المزيف والرضى بزواج مصلحي ترك أسرته لتضيع ، الأمر الذي أضطر أبنه أن يترك المدرسة ،  أما زكريا شقيق مروان فقد تزوج في الكويت وانقطعت أخباره ( أستقر خارج وطنه وربما ضاع فأخباره مفقودة ) ، وربما سيكون مصير مروان مشابهاً لمصيره ، لأنهم يقولون له " عندما تصل هناك ستعرف أن النقود أولاً ومن بعدها تأتي الأخلاق " .  
__ الشخصية الرابعة أبو الخيزران ، فقد ذكورته بأنفجار قنبلة أثناء حرب 48 ، ولم يعد له هم الآن سوى جمع المال ليرتاح في الظل فيما بعد ( في الظل بعيداً في الصحراء وليس في الوطن ) ، ويحس بالضيق والحرج عندما يُسأل لماذا لا يتزوج . أذاً فالأسرة في تشظيها تشكل موضوعة هامة في هذه الرواية  . لقد بدا جلياً في هذه الرواية التفكك الأسري للعائلة الفلسطينية وهو تعبير عن تفكك مجتمع بأكمله  ، بات يلهث أفراده لأجل الرغيف والمسكن ومجرد البقاء ، كذلك فهي محاولة أستنساخ أستقرار مؤقت لأعادة شكل من أشكال الحياة الطبيعية لبني البشر ، وحتى على حساب العمل من أجل  العودة الى فلسطين ، وأما هذا النسق والتشابه في هذه الحالات فقد منح للقارئ راحة ولم يشتت أفكاره فالمشترك بين الأبطال واضح ، كذلك فأن لكل منهم شخصيته المستقلة في الوقت ذاته .
 
__ الأبطال من نفس الأصل الفلسطيني :
الموتيف الثاني والذي يفرض أجواء التناسق في الرواية فهو كون الأبطال الرئيسيين ( اللاأبطال ) الأربعة جميعهم من أصل فلسطيني ، وقد ذكرت بشكل أو آخر البلدان الأصلية التي طردوا منها . أذاً فهذا يشبه لوناً مشتركاً بين اللوحات ، 
__ أبو قيس من قرية قريبة من يافا " في تلك الليلة شاهد الأستاذ سليم جالساً في ديوانية المختار يقرقر بنرجيلته : كان قد أرسل لقريتهم من يافا كي يعلم الصبية " ص41 الروايات  . __ أسعد من الرملة . شخص يدعى أبو العبد يقول لأسعد " ورغم ذلك فسوف أقدم لك خدمة كبرى لأنني كنت أعرف والدك ، رحمه الله ، بل أننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات " ص 54  .
__   مروان من يافا . والد مروان تزوج  شفيقة أبنة صديقه  " التي فقدت ساقها أثناء قصف يافا " ص 80 .
  __ أبو الخيزران من طيرة دندن حيفا . كان أبو الخيزران سائقاً بارعاً ، فقد خدم في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 48 أكثر من خمس سنين " ولذلك أستدعاه مجاهدو الطيرة ليقود مصفحة عتيقة كان رجال القرية قد أستولوا عليها " . ص94  . 
                                        ******
من الملاحظ أن الأبطال الثلاثة يفاصلون على أجرة الطريق بسبب فقرهم  ، الى أن يتوصل ثلاثتهم كل بطريقته الى الأتفاق مع أبي الخيزران لنقله الى الكويت ، وهذه المفاصلة وما يحيط بها من أحداث صغيرة تدعم أعداد القارئ للصفقة أي اللوحة الرابعة من الرواية .   
                                                               *****
نلاحظ الجو المأساي الذي أقفلت فيه اللوحات الثلاث الأولى ، الأمر الذي ينبئ بأقتراب حدوث أمر فاجع ، فأبو قيس " أحس أن رأسه كله قد أمتلأ بالدمع من الداخل فأستدار وأنطلق الى الشارع . هناك بدأت المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع . ص50
__  أما أسعد فالرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه ويقول " لكن حاذر أن تأكلك الجرذان قبل أن تسافر " ص68
__  أما مروان فقد ودعته زوجة والده هكذا " كان صوتها فاجعاً وحين التفت اليها قبل أن يجتاز الباب بدأت تشهق بالبكاء " ثم " صفق الباب وراءه وسار . كان ما زال يسمع صوت عكاز شفيقة يقرع البلاط برتابة وعند المنعطف تلاشى الصوت . ص86
أذاً هذه الحالات الثلاث تسهم بأضفاء جو التناسب العام على العمل ، وتهيئ القارئ لما هو آت ، وتشده لمعرفة ما سيحصل للثلاثة بالفعل .
أنظر الحوار في اللوحة الرابعة ( الصفقة ) بين مروان وأبي الخيزران حول طريقة  تهريبهم
"__  أسمع يا أبا الخيزران .. هذه اللعبة لا تعجبني ! هل تستطيع أن تتصور ذلك ؟ في مثل هذا الحر من يستطيع أن يجلس في خزان ماء مقفل ؟
__  لا تجعل من القضية مأساة ،هذه ليست أول مرة .. هل تعرف ما الذي سيحدث ؟ ستنزلون الى الخزان قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين متراً ، سأقف على الحدود أقل من خمس دقائق ،"  الخ . هذا الحوار يوجه القارئ ويعده نفسياً بالأشارات الى ما سيحدث . فالأبطال يعرفون خطورة ما هم مقدمون اليه ، ولكن ما العمل ! فأن أبا الخيزران ( القائد العاجز )  يقنعهم بعدم وجود أمكانية أخرى .   
بعد الصفقة تأتي اللوحة الخامسة ( الطريق ) ، وفيها نقرأ قصصاً ومآسي مهولة حدثت لمن سبق وحاولوا العبور الى الكويت عن طريق الصحراء " هل رأيت في عمرك كله هيكلاً عظمياً ملقى فوق الرمل ؟ "
_ ماذا قلت ؟ " أبو الخيزران يحكي لأبي قيس  قصص الموت والعطش لمن خدعوا مع مهربين آخرين . وهذه القصص المخيفة تعد الأجواء للمأساة الكبيرة التي تنتظرهم ، ولكنها أيضاً تجذب القارئ وتشحذ رغبته في  معرفة النهاية ، خصوصاً وأن الكتابة غير مترهلة ، والجمل قصيرة وموجزة .
يأتي بعد ذلك فصل ( الشمس والظل ) ، وهو قصة المأساة فيسردها بشد أعصاب يوتر القارئ ويمنحه لذة الترقب لما سيحدث ، هل سينجحون أم سيموتون أختناقاً  على الحدود ! وقد نجحوا في الحاجز الأول ، ويتعاطف القارئ معهم ويود لو أنهم ينجحون بعبور الحاجز الثاني ، لكنهم في الحاجز الثاني تأخروا ، ويشعر القارئ بالقلق الحقيقي والغضب عندما يدير حرس الحدود محادثة تافهة مع أبي الخيزران ، تدل على مللهم وفراغهم وجوعهم للجنس ، بينما الثلاثة داخل الخزان يواجهون خطر الموت وبالتاكيد فهي لحظات يكون القارئ فيها مشدوداً جداً ليعرف النهاية ، هل بقوا أحياء أم قضوا !  ويزداد شد الأعصاب عندما يفتح أبو الخيزران الخزان وينادي فلا يأتي سوى صدى صوته  .
اللوحة السابعة القبر . حتى طريقة الدفن أو التخلص من الجثث يتمكن الكاتب من جذب القارئ لمعرفتها ، هل يدفنهم كل واحد في قبر ! هل يدفن ثلاثتهم في قبر جماعي ! هل يلقي بجثثهم في الصحراء للجوارح وبعد أيام يتحولون الى هياكل عظمية بيضاء ! أم يلقي بالجثث على المزبلة كي يتمكن عمال النظافة من أكتشاف الجثث فتقوم الدولة بدفنهم ! هكذا ينجح الكاتب بجذب القارئ حتى الكلمة الأخيرة ، وبرأيي المتواضع  فأن هذه الرواية أجمل عمل روائي لغسان كنفاني  .

 

  الحدود :  

 لقد لعبت الحدود والحواجز بين بلد عربي وآخر عائقاً هاماً في تحرك المواطنين ، سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين ، فعبور أسعد من الأردن الى العراق كان مشكلة كانت قد تؤدي الى موته ، والعبور من العراق الى الكويت كان أيضاً مشكلة لجميعهم ، لدرجة أنها أدت لحالة الموت والأختناق الرمزية ، وقد كان الرمز لهذا الوضع الشاذ الخزان المقفل ، فالخزان هو الواقع الخانق ، وأبتعادهم عن الهدف الأساسي   أدى الى أختناقهم ، فهم كالأسماك خرجت من الماء ، وفي رحلتهم المغامرة هذه كانوا يسعون لأستنساخ وطنهم الأصلي وأعادة تشكيله في المنفى بصورة مشوهة بدلاً من تحريره ،  وقد رمز الكاتب للحدود الأستعمارية التي يضطر العربي للألتفاف حولها للدخول الى قطر عربي آخر ( بالأتشفور ) " أقسم لك بشرفي أنني سألتقيك وراء الأتشفور ، ما عليك ألا أن تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بأنتظارك ، لقد دار دورة كبيرة حول الأتشفور ، كانت الشمس تصب لهباً فوق رأسه " ص58  . أذاً فمنطقة الأتشفور والتي سميت كذلك بأعتقادي نسبة لخط بترول العراق حيفا ، رمز ت الى هذه الحالة ، سواء كانت واقعاً أو رمزاً فأنها بالمحصلة أصبحت رمزاً لحدود أستعمارية بين الكيانات العربية  يضطر المواطن العربي للألتفاف حولها كي يعبر الى القطر العربي الآخر في مخاطرة قد تودي بحياته لأن الحدود مغلقة بوجهه . وقد رمز الكاتب لسلاطين الصحراء والذين هم نتاج للمخططات الأستعمارية بالجرذان تأكل بعضها ، عندما تتساءل الفتاة الأجنبية ، " أوف هذه الصحراء مليئة بالجرذان ، تراها ماذا تقتات ؟
__ أجاب بهدوء : جرذاناً أصغر منها " ص 67 .
، وأما صرخة لماذا لم يقرعوا الخزان فكأنها تنديد بهذا الواقع الذي يجد الأنسان العربي نفسه فيه في  المقلاة ، ثم يموت مختنقاً داخل الخزان دون أن يصرخ أو يحتج أو يحاول تغيير واقعه الأليم ، بينما حرس الحدود والحاج الذي عمل عنده أبو الخيزران يتسلون بقصص الجنس ، الى جانب هذا سبق وقيل من قبل ( في دراسات سابقة ، ليوسف سامي اليوسف ، غسان كنفاني رعشة المأساة ) أن أبا الخيزران المخصي رمز للقيادة التي فشلت .
 أود أن أضيف  أن أبا الخيزران  ليس رمزاً لقيادة عقيمة فقط ، فقد تواطأ مع حركة التهريب التي كان يقوم بها الحاج في الأشياء الأخطر من تهريب الناس ، ولعل الكاتب أراد بهذا الرمز أن قيادة فلسطينية مخصية تحالفت مع قيادة عربية فاسدة ومتسترة بالدين ، ولو لم يقصد ذلك لما منح لقب ( الحاج ) للمهرب ،  والنتيجة هي موت الثلاثة الذين يمثلون قضية فلسطينية عربية أنسانية  ثم رميهم على المزبلة ، أن محاولة الأبتعاد عن الوطن وأستنساخه بدلاً من تحريره  أدت الى أن يلاقوا هذا المصير والنهاية المفجعة   ، من ناحية أخرى فأن  أبا الخيزران الذي تساءل لماذا لم يقرعوا الخزان ! هو نفسه الذي لم يتورع بعد أن ترك الجثث أن يعود ويأخذ ما تبقى من نقود في جيوبها  وكذلك الساعة من يد مروان ، هذا الأنسان نفسه الذي قاد مصفحة عام 48 وفقد ثقته بنفسه وصار كل همه أن يجمع المال كي يستريح فيما بعد ( في الظل ) بعيداً عن وطنه  . رجال في الشمس تبين وتحذر من  محاولة أستنساخ الوطن الأصلي بآخر مزيف لأن النهاية مأساوية ، وهي كذلك مأساة وفضيحة للعرب وللحدود الأستعمارية التي تفصل العربي عن أخيه العربي ، فلا يستطيع الوصول اليه ألا بالألتفاف حول ( الأتشفور _ H_4  ، وأختناق ليس فقط لمجموعة من الفلسطينيين الباحثين عن العمل والذين يضطرون للتسلل الى الكويت من العراق في خزان المياه ! بل هو واقع عربي خانق  ، ولا بد هنا من أستذكار حرب الخليج الثانية ومآسيها بسبب هذه الحدود نفسها . _ ( لماذا لم يقرعوا الخزان ؟ )  
في هذا التساؤل بذرة تمرد ورفض لم تبرعم بعد !  والتي  سنسمع صداها عند حامد في رواية ما تبقى لكم .  


 

( ما تبقى لكم ) من أغتصاب ليلى الى تدنيس مريم .
 تبدأ رواية ( ما تبقى لكم ) كامتداد لحالات القذارة والشعور بالخزي والذل والعار التي ذكرناها  في القصص القصيرة وأستمرت في رجال في الشمس . ألا أنه هنا يركز على القذارة المعنوية  ، حيث أنها   تأخذ شكل الزنى والخيانة ، فزكريا الخائن المتزوج وله خمسة أولاد يسافح مريم شقيقة حامد العانس فتحمل منه ( بالأمكان هنا ملاحظة تكرر سلبية أسم ( زكريا )  فقد سبق وكان شقيق مروان في رواية رجال في الشمس قد تزوج في الكويت ونسي أسرته ) ، وخوفاً من الفضيحة فأن زكريا يتزوجها ويجد شقيقها حامد نفسه مضطراً  أن يزوج شقيقته لعميل خائن ، وأن يعيد ويكرر وراء الشيخ " زوجتك أختي مريم _ زوجتك أختي مريم _ على صداق قدره عشرة جنيهات _ عشرة جنيهات _ كله مؤجل ". " كل الذين كانوا هناك كانوا يعرفون أنه لم يزوجها وأنها حامل ، وأن الكلب الذي سيصبح صهره  يجلس الى جانبه يضحك في أعماقه بصوت مسموع . ص14 _ ( طبعة الأسوار )   وهز رأسه : " لقد كنت  كل شيء ، وأنت ملطخة وأنا مخدوع .. " ص15
نلاحظ هنا أستمرار تشبيهات وصور الأحتقار المعنوي التي ذكرت في باب سابق   :
__  كان يلتهب مبتلعاً مرارة حادة حتى معدته ، ألا أنها رجعت خطوتين وهي لما تزل تبتسم تلك الأبتسامة الدامية ، ومن ورائها نبح الكلب  فقالت له " صهرك حامد يريد أن يترك غزة " ص15
__ كان ضئيلاً بشعاً  كالقرد أسمه زكريا ص16
ولا تعود بشاعة زكريا لأنه مارس الزنى ولطخ شقيقة حامد بالعار فقط ، بل هو خائن ، قبل هذا وشى بأحد المناضلين للجنود الأسرائيليين ، عندما يأمر الجنود الناس بالوقوف صفاً ويسألونهم عن مناضل يدعى سالم ، ويسود صمت الى أن يتقدم زكريا ويشي به   " وفي اللحظة التالية تماماً أندفع زكريا خارج الصف المستقيم وقذف بنفسه راكعاً وكفاه مضمومتان الى صدره وأخذ يصيح ، فتراجعت الفوهات الفولاذية مترددة بطيئة ، ثم تقدم الضابط فركله وتولى جنديان أيقافه على قدميه الواهنتين " أنا أدلكما على سالم " ص24 .
ألا أنه في هذه الرواية تبدأ عملية التطهير من حالة النجاسة والقذارة التي كانت كثيفة جداً فيما سبق من قصص ( بدأ السعي لتغيير الواقع الداخلي ) ، هنا بعد أن قام الكاتب بتبئير الشعور بالعار من خلال السفاح بين زكريا الخائن ومريم شقيقة حامد والذين يعيش جميعهم في معسكر للاجئين في غزة بعد أن رحلوا من يافا  ، فأن حامد يترك غزة هارباً من هذا العار ويمضي  للبحث عن أمه التي يرى فيها رمز الطهارة والنقاء  والتي تعيش في الضفة الغربية ، ولكنه من أجل العبور اليها سيضطر للعبور في صحراء النقب ، ولا بد من مواجهة الأسرائيلي ، أي أنه من أجل  العودة الى الأم ، الى النقاء ، الطهارة ، الشرف ، التي هي الأم التي تمثل الوطن  لا بد من مواجهة الأسرائيلي  ، وحين يلتقيه يتصارع معه وتدل أوراق الجندي  أنه يعيش في يافا ، المكان الذي طرد منه حامد وأسرته ويبدأ حامد بسؤاله عن يافا .. " هيا كن رجلاً طيباً ودعنا نتحدث عن يافا " أن الأنتظار الصامت لن يأتي ألا بالرعب " ولكنه ظل يحدق ألي بعينيه الضيقتين المتعبتين ، وكأنه لم يفهم شيئاً " هيا كيف أنتهى الأمر بكل ذلك الحي ، الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية ؟ وفجأة لست أدري لماذا بالضبط ، أحسست أنه يفهمني تماماً ، وأنه يتابعني وينتظر نهاية لذلك كله . فمضيت " سيكون ذلك حديثاً مفيداً فأنا أعرف ذلك الحي تماماً ، كنا نعيش هناك " لكن ذلك بدا له عبثاً في نظره على أي حال ص 67 . لقد حاول حامد محاورة الأسرائيلي لكن هذا بقي صامتاً لا يريد الكلام ، وكأن الكاتب قصد القول أن لغة الحوار غير مجدية لأن الأسرائيلي رفضها أصلاً ، وحينئذ يفهم حامد أن لا مناص من القتال  .  وفي الوقت الذي يكون حامد مسيطراً على حركة الجندي الأسرائيلي ويمنع عنه مطرة الماء وينتظر اللحظة المناسبة ليحز عنقه ، تكون شقيقته مريم قد وصلت الى قناعة بأنها يجب أن تقتل الخائن زكريا ، فهو يحاول أقناعها مرة تلو الأخرى أسقاط الجنين الذي صار عمره ستة أشهر ،ويريد أن  يجعل منها مجرد عاهرة ومتنفساً  لرغبته الجنسية ،ستقتله لأنه يحاول التخلص من الجنين كي يفلت من مسؤوليته تجاهها كزوجة وكأب تجاه أبنهما ، فهو لا يريدها سوى عاهرة  ولكنها ترفض أنزال الجنين   " وسوف أحكم على نفسي بالموت لو سمحت له أن يعتبرني  مجرد ممر في حياته بين مدرسته وبيتها ( تقصد زوجته الأولى ) يبصق منيه في ويمضي .. أي أنتظار يا مريم ، أي أنتظار طويل ينتهي بك الى مجرد ممر ! ص50 
_  ويواصل زكريا محاولة  أقناعها " طفل سادس ؟ سادس ! ( يقصد بالأضافة لأولاده الخمسة من زوجته الأولى ) ،  هل تتصورين ذلك ؟ هل تتوقعين أن أرقص فرحاً ؟ أنه الولد السادس ! لقد نصحتك ألف مرة أن تتخلصي منه ولكنك تعتقدين أنه شيء مثير ومهم ص63 . حينئذ تقرر قتله .
"ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد فوق الطاولة فردني الجدار أليها كأنني لعبة مطاط وأحتوتها قبضتاي معاً وأنسدل ذراعاي فوق كفي المطبقتين على مقبضها حتى أسفل بطني متشنجتين قاسيتين ، وأندفعنا مرة واحدة ونحن ننظر في عيني بعضنا مباشرة . كان النصل مندفعاً من بين كفي المحكمتي الأغلاق . وأحسست به حين أرتطمنا يغوص فيه . فأن أنيناً طويلاً وحاول أن يرتد ألا أن النصل جذبه من جديد .الخ " وسمعت صوت النصل يغوص في لحمه بطيئاً ولكن ثابتاً ص69 _ 70
أذاً فالوصول الى الأم الوطن لن يتم ألا بقتل الخائن ، العدو الداخلي ومواجة الأسرائيلي ، ولا مناص من المواجهة وعلى الجبهتين .
يمكن ملاحظة أن أسم شقيقة حامد هو مريم ، وهي تحمل بدون زواج ، ونلاحظ أن أسم زكريا مرتبط بأسم مريم في التراث الديني ، فهل كان هذا بلا وعي من الكاتب أم أنه قصد  ذلك ! كذلك نلاحظ أن أسم مريم  التي تحمل هنا سفاحاً سيتكرر  في رواية أخرى ( عائد الى حيفا ) حيث يكون اسم اليهودية التي تقطن بيت العائلة العربية وتستولي على أبنها خلدون أيضاً ميريام فهي لا تنجب ، فهل هي صدفة أستعمال أسم مريم وفي هاتين الحالتين ( الحمل بدون زواج في رواية ما تبقى لكم _ ثم تبني طفل في رواية عائد الى حيفا لأنها لا تنجب  ؟  نضيف الى هذا أسم ليلى الذي يتكرر في قصصه والمعروفة بالتاريخ العربي كصاحبة أجمل قصة حب عذري ، نراها تغتصب لتسعة أيام في قصة البومة التي سبق وذكرناها !!  فلماذا تغتصب ليلى وتدنس مريم ! أنها أشارة الى قتل البراءة وتدنيسها وأستباحة كل ما هو مقدس ، وربما يعود هذا للشعور الذي فصلناه سابقاً ، ذلك الشعور بتلوث كل شيء وغياب النظافة والطهر والبراءة ، حتى ليلى ومريم دنستا.      
 نعود الى ( ما تبقى لكم ) فالنقاد يعتبرونها ذروة غسان الفنية في الجانب الروائي من كتابته وذلك لأستخدامه تقنية تغيير نوع الحرف عندما ينتقل من حامد الى مريم أو زكريا ، بالأضافة لأبطاله حامد _ مريم _ زكريا _ فأن الصحراء والساعة أيضاً من أبطال الرواية " ودون أن ينتابه خوف أو تردد أستلقى على الأرض وأحس بها تحته ترتعش كعذراء ، فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنيات الرمل بنعومة وصمت ،( يتكرر ترميز الأرض  بالمرأة ، فقد سبق هذا في رواية رجال في الشمس ، بل أن نفس عملية الأستلقاء والأحساس بالأرض عند أبي قيس تتكرر عند حامد  ).   عندها فقط شد نفسه الى التراب وأحسه دافئاً ناعماً ، وفجأة تعالى هدير وصارت السيارة أمامه تماماً ، فغرس أصابعه في لحم الأرض وذاق حرارتها تسيل الى جسده ، وبدا له انها تنفست في وجهه فلفح لهاثها المستثار وجنتيه ، وشد أليها فمه وأنفه فأشتد الوجيب الغامض فيما أستدارت السيارة فجأة ، فالتمع الضوء الأحمر في مؤخرتها وأخذ يذوب في الليل ، _ زوجتك أختي مريم _ أراح وجنته فوق صدرها الدافئ مرة أخرى فيما أخذت نسمات باردة تغسله ، … لو كانت أمي هنا ، أستدار ومرر شفتيه فوق التراب الدافئ " ليس بمقدوري أن أكرهك ، ولكن هل سأحبك ؟ أنت تبتلعين عشرة رجال مثلي في ليلة واحدة ، أني أختار حبك ، أنني مجبر على أختيار حبك ، ليس ثمة من تبقى لي غيرك " ص18 الصحراء هي الأم والأم هي الأرض الوطن  ، وقد تعامل معها كما لو كانت كائناً حياً ، حتى أنه ألصق شفتيه بها كما لو كانت أمه التي يرضع منها حليبه ويستمد منها طمأنينته .
أما الساعة ( الوقت ) فهي تلعب دوراً هاماً فهي تدق تدق وحامد يمضي في الصحراء ، هي تدق ويتقدم حمل مريم والعار يكبر  ، تدق الساعة والأزمة تتطور في الأتجاهين ، وهي اشارة هامة جداً الى عامل الزمن في القضية الفلسطينية كلها ، والذي ثبتت أهميته من خلال الأحداث التاريخية وفرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطيني . حامد والجندي الأسرائيلي في الصحراء من ناحية ، ومريم وزكريا وجنين العار من ناحية أخرى ، والوقت الساعة لا تتوقف ، تجمع الكل وكأنها تراقب أو تحذر أو ترصد ما يدور ، كل دقة لها مسموعة ، ودقاتها كأنها أجابة لسؤال " لماذا لم يقرعوا الخزان من الرواية السابقة " أذاً هنا يوجد من يقرع الخزان ، ولن يختنق الأبطال كما في الرواية الأولى ،  فمريم تطعن زكريا الخائن ، وحامد يواجه الأسرائيلي في طريقه للأم الوطن ، فالمواجهة لا بد منها لمحو دنس خيانة زكريا وللوصول الى الأم الأرض . فبينما كان أبطال الرواية الأولى يبحثون عن أستنساخ وطنهم مبتعدين عنه في جوف الصحراء فأن حامد يقرر المواجهة ، فهو يريد الوصول الى أمه ، ولأجل هذا يعبر صحراء النقب ويواجه ، وبنفس الوقت بينما تواطأ أبو الخيزران مع الحاج رضا في الرواية الأولى فكان مخصياً عاجزاً عن الفعل ، فأن مريم تطعن الخائن وبالضبط في عانته .

 

تقابل

حامد الهارب من العار  يواجه  الجندي الأسرائيلي = مريم التي تحمل العار تواجه الخائن وتطعنه . الساعة تمضي والجنين ينمو = الساعة تمضي وحامد يتوغل في الصحراء عائدا الى  الأم .  
يتم قتل الخيانة الممثلة بزكريا  _ يكون الصراع مع الأسرائيلي  في الصحراء .
  الأم المفقودة = الحنان الدفء الطمأنينة = الصحراء الدافئة
الفم الثدي ( الأم  )  = الفم الصحراء = ( الأم )
 
        


أم سعد التحول في دلالة الألفاظ

الفكرة أو المعنى أو المضمون من أهم عناصر الأدب ومقوماته وهي الأساس الأول للأعتراف بقيمته ، وهي كذلك أساس العاطفة ، فلا بد من تمازج الفكرة بالعاطفة , والأدب الذي ينقصه الفكرة أدب خامل ضعيف ميت . د . محمد عبد المنعم خفاجي . مدارس النقد الحديث ص 50 
، لاحظنا في رواية ( ما تبقى لكم ) بداية الخروج الداخلي من الواقع القذر ولكنه كان  فعلاً فردياً يكاد يكون يائساً ، ولم يكن عملاً جماعياً منظماً ( داخلياً وخارجياً ) ، وعلينا أن لاننسى أن رواية ما تبقى لكم نشرت عام 1966 أي قبل هزيمة حزيران ، ولكن بعد حزيران نشرت رواية أخرى في الطريق للخلاص من الواقع الرث هي  رواية أم سعد ، لكننا سنلاحظ التحولات الأجتماعية الأعمق من السابقة والتي ستعم الجماهير ، رغم أن فنية ما تبقى لكم أرقى بكثير من فنية أم سعد ،وذلك بأعتقادنا أن أم سعد كتبت تحت ضغط كبير بعد النكسة عام 67 وكأن الكاتب يستعجل ببث الوعي للجماهير ولو كان هذا على حساب فنية العمل ،  ولكننا سنواصل هنا رصد كتابة غسان كنفاني النابتة في مناخها  التاريخي وواقعها الأجتماعي الخاص ، فهو من قصته الأولى حتى نهايته ملتصق بقضية شعبه قضيته الأساسية . أما رواية أم سعد فهي  مؤلفة من تسع حلقات مكملة لبعضها بتسلسل ومعتمدة على السرد البسيط ، يربط بين الحلقات  خيط واضح المعالم هو الراوية ( أم سعد ) فهي بطلة جميع الحلقات ، هذه الرواية أو ( القصة الطويلة ) لأنها خلت من صراع أيديولوجي ( حسب رؤية باختين للرواية * ) ، أذ جاءت الأفكار فيها كقرار نهائي لا يستأنف ولا يناقش ، هذه القصة مؤدلجة سياسياً وأجتماعياً ، فأم سعد تحكي وعلى القارئ أن يتقبل بدون نقاش ،  وهي تنتمي للادب المؤدلج الذي كتب ليخدم فكرة أيديولوجية سياسية يؤمن بها الكاتب بشدة ، وهو أي الكاتب سيقوم بمحاولات الوقوف خارج النص ليحركه من بعيد أو من وراء الكواليس ، فيفلح تارة ويخفق تارة أخرى في عملية ( عدم التدخل )  لتبدو أفكاره وأيديولوجيتة السياسية واضحة مهيمنة  على النص وأن كانت على لسان العجوز أم سعد وبلغة محكية أحياناً في محاولة لجعلها عفوية وبسيطة وأقرب الى حالة أم سعد .  أم سعد العجوز الفلسطينية اللاجئة من ( الغبسية ) تحكي ما حصل لها ولأبنها سعد للصحفي ( الكاتب ) وهو بدوره ينقل للقارئ بلغة سردية واضحة وتكاد تكون ببساطة أم سعد ما  تقوله هذه العجوز ،  وقد خصص لكل حلقة  من الحلقات التسع مهمة التحول الدلالي لمعنى من المعاني العاطفية والمعنوية ( أذا كانت أسماء الماديات ثابتة فأن المعاني المعنوية والعاطفية دائمة التحول ) في الأدب والنقد د . محمد مندور ص 24 .  سيتم التحول في مفاهيم  ومصطلحات سائدة من خلال أم سعد نفسها محاولاً أن لا يبدو متدخلاً بصياغة أفكارها الثورية المتقدمة ، رغم شفافية هذه المحاولة في بعض المواقف ، وهو لم يعط مجالاً لأفكار أخرى أن تناقش أو أن تطرح نفسها في مواجهة أفكار ومنطق أم سعد ، فالمختار والأفندي ظهرا بسرعة دون أن يدليا بحججهما وكأن الكاتب كان بعجلة من أمره أو أنه أفترض قناعة القارئ برجعية المختار والأفندي وضرورة ( تنظيفهما ) من طريق أم سعد التي تمثل ( الثورة ) الشعبية  ،  ألا أنه مما لا شك فيه يقنعنا بواقعية شخصية أم سعد وهذا هو المهم في الكتابة  بل أنه يهدي الرواية ( الى أم سعد والى كل أم سعد ) ،  ويقتنع القارئ بسهولة أن هذه الشخصية التي يقرأ عنها حقيقية من لحم ودم ،  ولكننا نلاحظ أحياناً تفاوتاً  في مستويات اللغة والوعي في حالة أم سعد نفسها فنشعر بسذاجتها وبعفويتها أحياناً وأحياناً أخرى بذكائها الحاد وبكلامها المخطط أو المؤدلج ، لنرى بوضوح أن  المثقف الثوري يقف وراءها ويمسك بيدها ويساعدها بما يجب أن تقول ( وكأنه الملقن )  ،  وهنا لا بد من ذكر  أن رواية أم سعد جاءت أولاً على شكل قصة قصيرة في كتاب ( عن الرجال والبنادق ) الصادر عام 1964 _ الذي سبق صدور رواية أم سعد بخمس سنوات 1969، ويبدو أن الكاتب  قرر فيما بعد تطوير قصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) وليتقدم بها رأسياً   لتصبح قصة طويلة تقرأ في جلسة واحدة ، أو كما سبق وقلت قصة طويلة لها طموحات رواية لكنها ليست رواية بكل المفاهيم النقدية وربما تدخل في جنس ( النوفيلا )، وكل من جرب كتابة هذه الألوان  القصة القصيرة والرواية والنقد يعرف كيف تولد رواية أحياناً من قصة قصيرة أو من فكرة صغيرة ، وأذكر قولاً للروائي الكولمبي الكبير جابرئيل غارسيا ماركيز يقول فيه أن رواياته الكبيرة كانت في البداية قصصاً قصيرة بل  مقالات في بعض الأحيان أو تقارير صحفية . فقصة ( خيمة عن خيمة تفرق ) قدحت شرارة عند الكاتب لجعل كل شيء فيما بعد ( يفرق ) وليس الخيمة فقط ، ففي الرواية  قرر أيجاد أصطلاحات وتعابير وحالات تفرق عن بعضها رغم أنها تحمل نفس الأسم واللفظ ولكن مدلولاتها أختلفت بأختلاف فهمها وتجسدها الجديد في الوعي المتغير  مقابل لفظها الكلامي نفسه في الوعي السابق . ليس صدفة أن أختار الكاتب أسم سعد ، فسعد من السعادة أو الحظ ، كذلك فأن السعد يوحي بالتفاؤل رغم حالة أم سعد التي يرثى لها ، ألا أن سعد هو فتحة الأمل لأم سعد ،  وسنجد أن لسعد شقيقاً يدعى سعيد ،( نلاحظ أن أسعد سعيد وسعد من الأسماء المتكررة عند غسان )  بالطبع ليست هذه صدفة في أختيار هذين الأسمين فالكاتب الروائي ينتقي أسم بطله ليوحي بأمر ما ، أو لأنه يرى في هذا الأسم ممثلاً لشريحة أجتماعية ما ، الكاتب  يريد أن يطرح التفاؤل ( السعد _ الحظ ) وذلك من خلال جيل سعد وسعيد الذي التحق بصفوف الثورة .  تحكي أم سعد عن أبنها سعد الذي أنخرط في صفوف المقاومة ( أذاً المقاومة هي التي ستجلب السعد _ الحظ _ سعيد _ السعادة ) ومن خلال حديثها هذا نلمس التغير في المفاهيم الموازية لأنطلاق الثورة وأختيار الفلسطينيين لطريق الكفاح المسلح لأنتزاع كرامتهم وحريتهم ، بل بالأساس للخروج من حالة الذل والأهانة المستمرة التي يعيشونها ، فالوحل يكاد يغرق الخيمة التي تعيش بها أسرة أم سعد ، هذه الثورة كما سنلاحظ ليست ثورة سلاح فقط بل هي ثورة وعي وسلاح يسيران بخطين لولبيين  متصاعدين متعانقين ، فالكرامة والعز الذي ينشده الفلسطيني ليس ترفاً ،  بل ضرورة وحاجة ملحة لأجل خروجه من حالة الذل التي ما عادت تطاق التي فصلناها في القصص القصيرة التي سبقت هذه الرواية ، بل أن هدف الفلسطيني ليس العيش في عز بقدر ما هو طموح للخروج من حالة الذل  ، الرواية صغيرة الحجم ولكنها تحمل شحنة تثويرية عالية جداً وكأنها ليزر بكثافتها ، ينقلها الكاتب للقارئ  خصوصا القابع في المنفى فيحرضه تحريضاً  يلامس  المباشرة  للأنخراط في صفوف الثورة ،وكأنما يمسك الناس فرداً فرداً من تلابيبهم ليصرخ في وجوههم ..ليس لكم من سبيل للخلاص من هذه الحالة البائسة سوى  الثورة ، الثورة بمعناها العميق ، هي التي ستجلب لكم ال( سعد _ الحظ _ السعادة  )وتزيل عنكم الوحل . 

 


التحول في دلالة  كلمة ( أوادم )

من الكلمات التي تتحول دلالتها  فتنقلب الى ضدها هي كلمة ( أوادم ) في الرواية ،  عندما يأتي المختار الى أم سعد ليشكو لها أبنها سعد ورفاقه الذين رفضوا التوقيع على ورقة تقول أنهم ( أوادم ) كي يخرجهم بواسطته من المعتقل ، نلاحظ التغير الجوهري الحاصل في شخصية المختار بالنسبة لسعد ورفاقه وأمه ، المختار وما أدراك ما المختار في الحياة الفلسطينية ، المختار رمز لمرحلة ، رمز لحالة هي السكوت والرضى والخضوع للأمر الواقع ، و في أحيان كثيرة رمز للسلبية والرجعية في التعامل مع المواطنين البسطاء ، وغالبا ما كان المختار سوطاً بيد السلطة توجهه عند الضرورة لقمع الشعب أو تمييع نضاله وأمتصاص نقمته ، والمختار مخيف لأنه لا يوجد مختار من فراغ ، فهو صاحب نفوذ عسكري وأقتصادي ، أو أنه مدعوم من جهة لها هذه القوة ( وهي التي جعلته مختاراً )،  ورغم أن أسمه مختار ألا أنه لا ينتخب أنتخاباً بل هو ممثل السلطة وعنوانها ، وينفذ أملاءاتها على الغالب ، ومعاندته ليست بالأمر اليسير المضمون العواقب ، فما بالك  بالأستهتار به ، ها هم يهزأون منه ولكن كيف ! 
تحكي أم سعد فتقول " سعد ورفاقه . قال لي المختار أنهم ضحكوا عليه ، وأن سعد سأله شو يعني أوادم ؟ قال المختار أنهم كانوا محشورين في زنزانة وأنهم أخذوا يضحكون جميعاً ، وأن شخصا لا يعرفه كان بينهم قال له : " أوادم يعني قاعدين عاقلين ؟ فقال رجل ثالث : " يعني ناكل كف ونقول شكراً ؟ وأن سعد قام وقال له : يا حبيبي ، أوادم يعني بنحارب ، هيك يعني هيك " ( أم سعد ص 12 طبعة الأسوار _ عكا ). ننتبه هنا الى الدلالة الأنقلابية  الحاصلة  في كلمة ( أوادم )، ففيما مضى ، أي قبل الثورة أسقطت كلمة  أوادم رداءها  على  أولئك القاعدين الذين يمشون الحيط الحيط ويقولون يا رب السترة ، الأوادم في المفهوم السابق ( مفهوم المختار والسلطة )  هم غير المستعدين للمواجهة ، هم الراضون بالأمر الواقع ولا يسعون لتغييره عادة ، الأوادم يبعدون عن المشاكل قدر المستطاع ويطيعون أولي الأمر وعلى رأسهم المختار ، ولعل المختار في هذا المفهوم من ( رؤوس ) الأوادم ، وبالمقابل فأن من يسعى الى تغيير الواقع وخصوصاً بالقوة فسوف يواجه بخروجه من  دائرة كلمة أوادم ومن دائرة (الأدمنة ) ، وهذا يعني تلقائياً وجوده في دائرة الشغب الأمر الذي سيغضب المختار والسلطة ، وهذا موقع  خطر بطبيعة الحال ، يؤدي بصاحبه الى السجن و( البهدلة والأهانة ) فمواجهة السلطة والسجن والسجان في مفهوم المختار القديم هي بهدلة وأهانة وزعرنة وليست كفاحاً ونضالاً وصموداً ،  ألا أن  كلمة الأوادم أخذت عند سعد ورفاقه دلالة  جديدة ، فالأوادم هم الذين يحاربون ويثورون على الواقع ، وليسوا الأوادم بالمعنى القديم الذي ما زال يعبر عنه المختار ويسعى للتمسك به  وتكريسه ، اولئك السلبيون الذين لا هم لهم ألا رضى المختار والأفندي والسلطة ، ومن ثم  القبول بالأمر الواقع أو على الأقل عدم محاولة تغييره بوسائل ثورية  ، أذاً فقد تغير مفهوم كلمة أوادم وبدرجة حادة ، الآدمي الجديد أذاً هو الفدائي ، هو الثائر وليس المستكين ، وتلقائياً يفهم أن من لا يتنظم مع الفدائيين فهو الذي تنقصه صفة ( الأدمنة ) . وهذا التمرد يتجلى حين يسأل المختار  الشبان المعتقلين ( بعد يأسه من أقناعهم بأن يكونوا أوادم  ) أذا ما كانوا يريدون أن يوصل لهم شيئاً الى الأهل في المخيم  فيرد عليه سعد  بسخرية " سلم على الأهل يا بني "  ، هذه السخرية  المتمردة والتي تحمل التحول بدلالة كلمة ( يا بني ) الموجهة للمختار من قبل شاب ، تنبئ بدخول سكان المخيم الى مرحلة جديدة من الوعي ، هي مرحلة كسر طوق وصاية المختار ، وعملياً من يقف وراء المختار ..السلطة ، وقد أنعكس هذا التحول بتحول الدلالات اللفظية للصفات ( أنظر د ، محمد مندور ، في الأدب والنقد ، باب النقد اللغوي )  ، المختار ورغم الأهانة اللاذعة التي تعرض لها من الشبان ألا أنه يتشبث حتى النهاية بدوره ، فهو يسألهم أذا كانوا يريدون شيئاً من الأهل ! وحينئذ يقولون له بسخرية " سلم على الأهل يا بني " وهذا يعني نهاية دوره  وحلول سلطة أخرى غير سلطته ، حلول نوعية جديدة من الأوادم مكان الأوادم السابقين ، نهاية مرحلة وبداية  مرحلة جديدة ، وتعبير ( يا بني ) الساخر أو الهازئ يعني أن سعداً ورفاقه صاروا هم المسؤولون عن مصير المخيم ، وحتى المختار تحول بنظرهم الى صبي غير مسؤول حتى عن نفسه بقولهم له ( يا بني )  ، لقد انقلب المفهوم رأساً على عقب ، وحدثت صدمة التغيير بتحول الصبي سعد الى مسؤول وتحول المختار الى صبي ( يا بني ) ،وقد قصد الكاتب أن الأوادم التقليديين أنتهى دورهم ، وعليهم الآن أخلاء القيادة لجيل من ( الأوادم ) الجدد   .


 
ماذا تعني كلمة ( الحبس )

كلمة الحبس أو السجن بمفهومها العادي ، تعني المكان المغلق ، لا يستطيع الأنسان التنقل منه وأليه وفي داخله بحرية فهو محبوس بين أربعة جدران ، ألا أن أم سعد تخبر الكاتب بمفهوم جديد للحبس ، عندما يسألها الكاتب أو الصحفي الذي تخاطبه ب ( أبن عمي ) أذا ما لم يكن خروج سعد من السجن بواسطة المختار أفضل من بقائه في السجن ! فترد " طيب أنت غير محبوس فماذا تفعل ؟ أتحسب أننا لا نعيش في حبس ؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل الحبس العجيب ؟ الحبوس أنواع يا أبن العم ! أنواع ! المخيم حبس وبيتكم حبس ، والجريدة حبس ( هنا نلاحظ تدخل الكاتب بوعي الى تعريفات أم سعد )  ، والراديو حبس ، والباص والشارع وعيون الناس .. أعمارنا حبس ، والعشرون سنة الماضية حبس ، والمختار حبس ، تتكلم أنت عالحبوس ؟طول عمرك محبوس ، أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ! حبس حبس أنت نفسك حبس .. فلماذا تعتقدون أن سعد هو المحبوس ، ؟ محبوس لأنه لم يوقع ورقة تقول انه آدمي .. آدمي ؟ من منكم أدمي ؟ كلكم وقعتم هذه الأوراق بطريقة أو بأخرى ومع ذلك فأنتم محبوسون ، وتنهي أم سعد حديثها __ أسمع أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس ، الحبس كله ! أتفهم ؟ ص13 _ 14 
وهذا يعني أن الحبس التقليدي لم يعد مخيفاً ولا هو بالعار ولا هو بالبهدلة أذا كان لأجل قضية نبيلة ، كذلك فأن وجودك خارج الحبس التقليدي لا يعني أنك حر ، فالحرية لا تقاس بهذا المقياس داخل الجدران أو خارجها ،بل أصبح لها مقياس جديد ، فلربما كان أحدهم داخل الجدران أكثر حرية ممن هو خارجها  ، الحبس لم يعد باطونا وحديدا وقضبانا ، أنه أكثر من ذلك بكثير ، الحبس هو نقيض للحرية بمعناها الجديد ، والحرية بمعناها الجديد لا تعني فقط الطعام والشراب والجلوس في مكتب أو التتقل بسيارة ،تأخذ هنا الحرية بعداً جديداً لدرجة أن أم سعد تسخر من السجن التقليدي ، وهكذا تلغي الفرق بين داخل وخارج السجن بالنسبة لمن فقدوا وطنهم وحريتهم وباتوا مرغمين على قبول الأمر الواقع داخل مخيماتهم ( ها أنت خارج السجن فماذا تفعل ) ؟ أذاً الحرية هي مفهوم أوسع من مجرد وجودك خارج جدران سجن بينما أنت جثة غير قادرة على الفعل ،  هنا تدخلك تساؤلات ( السيدة البسيطة ) الى أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحرية ومفهومها ، وبهذا تدفع المتلقي للتخلص من الخوف والتغلب على نفسه وتبئير القضية الكبيرة ليصبح كل شيء رخيصاً  من أجل القضية الكبيرة بما في ذلك الحرية الشخصية ، لأن سعد ( الآدمي في المفهوم الجديد  ) يريد الخلاص من جميع الحبوس دفعة واحدة  كما تقول أمه ، وليس التحرر فقط من الحبس الشكلي التقليدي ، أنه يريد الخلاص الفعلي من الحبس المادي والمعنوي  بمعناه الأعمق والأبعد ، بمعناه الأجتماعي والسياسي والمعرفي والعملي  .
 _ الأم مصدر البطولة _    
أعتدنا على تعبير معروف عندما نريد أمتداح شخص ما ، نقول أنه أبن أبيه ،أو  (الولد طالع لأبوه  )، ولكن أم سعد قالت العكس ، فقد قالت أن سعداً جاء  _ أبن أمه _ ،يعني أن سعداً (طالع لأمه وليس لأبيه ) ، وهذا جديد في زاوية التفكير بل أضاءة ذكية من الكاتب " . قلت للمرأة التي جلست الى جانبي في الباص أن ولدي أضحى مقاتلاً ( آنذاك بدا صوتها ، بلا ريب مختلفاً . ولذلك تذكرت الآن " قلت لها أنني أحبه وسأشتاق له  ولكنه جاء " أبن امه " ، أتعتقد أنهم سيعطونه رشاشاً ! الى أن تقول " أتدري أن الأطفال ذل ! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به . لسكنت معه هناك ، خيام ؟ خيمة عن خيمة تفرق !"( صفحة 20 )، نلاحظ هنا الأنقلاب في مفهوم الرجولة والبطولة ، فسعد هو أبن أمه وليس أبن أبيه وهذا جديد ليس فقط على صعيد الأدب الفلسطيني بل العربي عموماً  ، أي أن بطولته مصدرها أمه فهي أذاً التي تحمل بذرة البطولة لأنه طالع لها وليس لأبيه وهذه أهتزازة لصورة الأب ( المقصّر ) رغم أنه العنصر الأقوى في الأسرة العربية ، وبهذا نلمس تدعيماً  لدور الأم ( الأنثى ) وهو كفر بمسلمة أخرى من المسلمات ، فالرجل اذا لم يثر فقد رجولته ، وأذا ثارت المرأة فهي ستحمل وتستحق حمل صفة البطولة ، وهنا كانت نظرة كنفاني العبقرية بدفع المرأة الفلسطينية الى الأمام وأعطائها زمام المبادرة ، فهي التي تدفع وستدفع ثمن التضحيات ! فلماذا لا تكون هي القائدة والموجهة ! وخصوصاً تلك المرأة اللاجئة والتي عليها أن تواجه قساوة الحياة من أجل توفير لقمة العيش لأولادها كما هو حال أم سعد التي تعمل بتنظيف البيوت ، فهي نفسها أم المقاتل الذي سيكون شهيداً أو أسيراً أو في منطقة الخطر  ،وهي التي ستعيش القلق والمخاوف ، وهي عملياً آلة الدفع الرئيسية في الثورة ، وهي الداعمة نفسياً ومادياً لهذا الثائر ، ( لا بد هنا من الأنتباه للتناص  بين مسرحيتي ( الأم لبريشت والأم لمكسيم جوركي ) وأسقاطاتها على فكر الكاتب وتوجهه بوعي أو بغير وعي ، فالأم في الحالتين كانت أمية أذ أشتركت الأم عند بريشت وغوركي  * دون أن تعرف القراءة  بتوزيع المناشير الثورية لأبنها الذي كان عليه أن يوزعها تحريضاً على الأضراب ، ولكنه يسجن فتوزعها أمه مكانه ، وسنرى هنا الدور البطولي لأم سعد ، رغم الأختلاف بين هذه الأم وبين ( أم غوركي )، هنا تتصرف بوعي كامل منها بما تقوم به من دفع أبنها الى القتال ، بينما في الأم عند غوركي حركتها عاطفة الأمومة والتضامن مع أبنها وليس وعيها  , تتساءل أم سعد أذا ما كانوا سيعطونه رشاشاً ! ثم تعلن عن أستعدادها ( المرأة ) للألتحاق به ، وهي دعوة جديدة أيضاً للنساء للالتحاق بصفوف المقاتلين ، هذه الدعوة جديدة على صعيد عربي كما قلت وليس فقط على صعيد فلسطيني ، لقد أدرك غسان أهمية أنخراط المرأة في الثورة وهذه من القناعات الهامة التي حاول غسان أدخالها الى الوعي الفلسطيني ، ( لمسنا هذا في  قصة ( البومة ) في مجموعة السرير رقم 12  حيث ضحت ليلى بكل شيئ للدفاع عن حيفا )، ونعود الى أم سعد  التي  تستدرك قائلة ( الأطفال ذل ) ، وهنا يريد كنفاني التوضيح انه لا يقصد بالأنضمام للثورة أهمال الأسرة فأم سعد ( لولا هذان الطفلان للحقت بأبنها سعد ) ، وهي دعوة واضحة لمن ليس لديها صغار بالبيت وخصوصاً الصبايا أن يلتحقن بالثورة ، أما من لديها صغار فهو يلتمس لها العذر  ولكن سيجد لها الكاتب الثوري  ( بواسطة أم سعد ) عملاً آخر يخدم الثورة كما سنرى فيما بعد . ثم تتساءل أم سعد _ خيمة ؟ أي هل يعني الأنضمام للثورة العيش في خيمة ؟ " خيمة عن خيمة تفرق "، فالعيش في خيمة الثورة ليس كالعيش في خيمة البؤس المهددة بالأنطمار بالوحل . خيمة الثورة هي خيمة الكرامة للمرأة وللرجل ، أذاً لقد أختلفت الدلالة اللفظية لكلمة الخيمة  .
   (الواسطة ) لم تعد عيباً والهدية ليست خاتماً
أعتدنا أن نعرف أنه عندما يقوم أب أو أم بطلب من رئيس أو مسؤول بالعناية بأبنهم في مكان عمل خطر ، تكون هذه العناية بأعطاء الأبن عملاً سهلاً وأبعاده عن منطقة الخطر ، وغض الطرف عنه أذا تعب كي يستريح  والسماح له بأمور قد تكون غير مسموحة للمجموعة ، كذلك عرفنا وسمعنا عن واسطات لأبعاد الأولاد عن العمليات الخطرة وحتى عن الجندية   ( أنظر رواية  الحرب في بر مصر ليوسف القعيد * ). حيث يقوم  العمدة بأرسال الشاب مصري الفقير مكان أبنه الى الجبهة ولكنه يتقمص أسمه ، ألا أن الواسطة عند أم سعد تختلف ،  فهي تريد أن توصي بأبنها ولكن بطريقة مغايرة ، تريد أن لا يزعله قائده وأن يلبي له رغبته ، فأذا أراد الذهاب الى الحرب أن لا يزعله وأن يسمح له بتلبية رغبته ( صفحة 22،) وهذا يعني أيضا حدوث أنقلاب في مفهوم الواسطة والتوصية ،وتحول  في دلالة  ما هو الأفضل وما هو الأسوأ ، فالعناية بالأبن تعني أرساله الى حيث يريد حتى الى الحرب ، وهذا أنقلاب في المتعارف والسائد فالأم تخاف عادة على أبنها ولا تريده في  مناطق الخطر ، فهي لا تريد أن يزعل أبنها فأذا أراد الذهاب الى الحرب فليذهب ، هنا تتجلى شجاعة الأم وأستعدادها النفسي عملياً لتلقي الأسوأ وهو فقدان  أبنها لأن أرساله الى الحرب يطرح مثل هذه الأمكانية ، هذه الأم التي أرادها الكاتب أن تحمل شعلة الأنتقال بالمفاهيم وحتى بالمشاعر ، بحيث تكون المشاعر موجهة الى القتال والثورة للتخلص من  الظلم والبؤس والذل والوحل بدون أدنى تردد ، وبدون هذه الثورة في المفاهيم والمشاعر والقيم  فأننا سنبقى في المخيم حتى يغمرنا الوحل في يوم من الأيام كما كان يقول سعد لوالده ،  وهذه رسالة عظيمة يوجهها الكاتب السياسي  من خلال أم سعد للمرأة الفلسطينية ، وحتى الهدية التي تنتظرها أم سعد من أبنها مختلفة وتحمل مفهوماً وقيمة جديدة  من الهدايا ، هذه الهدية كانت عملية تفجير سيارة  معادية يقوم بها سعد ، " أرأيت ! قلت لك أن سعد سيهدي أمه سيارة " صفحة 27 ، وعندما يعود سعد جريحاً فهي لا تندب ولا تولول بل تقول " أسم الله عليه حمل ساعده كانها نيشان ". نلاحظ هنا أن الكاتب يكاد يغتصب حق الأم بالتألم لجرح أبنها ويكاد ينتزع منها مشاعرها كأم لأجل الفكرة ( الأيديولوجيا السياسية )  التي يريد أيصالها وهي تحويل المعركة والفداء الى نمط حياة عادي لدى سكان المخيم ، وسقوط الفارق بين الجرح الجسدي  والجرح النفسي والمعنوي ، فالهدف يبرر كل شيء ولا شيء ممكن أن يكون أهم من الهدف ، الخروج من حالة الذل والهزيمة ، حتى مفهوم الأمومة بدأ يتغير  ، ومثله الهدية ، فالهدية التي أنتظرتها من سعد لم تكن سواراً ولا خاتماً ولا قطعة أثاث للبيت بل عملية فدائية  .  
وخلال هذه العملية يحاصر سعد ورفاقه فتنقذهم من الجوع أمرأة فلسطينية ممن بقوا في أرض الوطن ، هذه السيدة نرى أن سعداً  يعتبرها أيضاً أمه ويقول لرفاقه ، أمي تتبعني حيثما ذهبت " ( أنا سعد يا يما ، جوعان ) وسقط القضيب من يد العجوز الفلاحة وهي تحدق الى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه " ، ص35 ، فالأم هنا ليست فقط تلك التي يخرج الأنسان  من رحمها ، الأم تكون أيضاً تلك المرأة الشجاعة التي جاءت بالطعام للفدائيين لتنقذهم من حصار الجيش المعادي ، ولعل كنفاني أراد القول أن الأم فلسطين لن تبخل عليكم أيها الفدائيون ، وسوف تجدون عندها الطعام والشراب والحنان كما تجدونه عند أمهاتكم أذا ما حاولتم الدخول اليها كفدائيين  .
الجميع مقاتلون         
أراد الكاتب التأكيد على أن الثورة شاملة وليست مقتصرة على بعض الشبان المتحمسين أو على الرجل دون المرأة ولا على الكبير دون الصغير ، بل هي ثورة شعبية تشترك فيها جميع قطاعات الناس حتى الأطفال ،  وبهذا تختلف الثورة عن الجيش النظامي ، بل وتختلف ثورة الشعب الفلسطيني نفسه عن ثوراته السابقة في الأعوام 1936 ، و1928 ،وفي المواجهات السابقة ، ففي ثورة 36 أقتصرت الثورة على ثوار تسلقوا الجبال وقاموا بعمليات عسكرية محدودة دون أشتراك كافة قطاعات الشعب رغم تعاطفهم معها . من المعروف أنه أذا حدثت غارة مثلاً في مكان ما يأتي الجيش والشرطة فيبعدون الناس أولاً ومن ثم يعالجون ما حصل ، لكن عكس ذلك حصل لأهل المخيم ، فعندما تقوم الطائرات بالأغارة فأن جميع أهل المخيم يتجمعون لرؤية ما الذي يحدث ! نلاحظ هنا أفتقاد عنصر الخوف ( الطبيعي ) عند أهل المخيم فهم لم يهربوا ولم يختبئوا بل تجمعوا لرؤية ما يحدث " وسمعت أم سعد صوتأً معدنياً كالرنين يملأ الطريق ورفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسننة ، قالت أم سعد لرفيقاتها : هذه الحدائد تفرقع دواليب السيارات ودورتها بين أصابعها ثم قالت : يا صبايا ، لنلمها ونقذف بها الى الرمل ، وأندفعت النساء ومن ثم أندفع الأولاد الى الطريق المظلم وأخذوا يجمعون قطع الحديد بأيديهم العارية ويقذفون بها الى الرمل ". صفحة 41 ، بهذا المشهد أراد الكاتب التأكيد على أن الجميع منخرط بالثورة ، وهي ثورة شعبية بكل جوانبها وبكل فئات المجتمع ، ولكل واحد دوره حتى العجائز والنساء والأطفال فبأمكان كل فرد أن يعطي من موقعه ، لحشد أكبر طاقة ممكنة لصالح الثورة ، هكذا نلاحظ في مثل هذا المقطع أن الكاتب سياسي مائة بالمائة حتى أننا لا نلمس لديه الوقت للوقوف عند حالة تردد أو خوف واحدة هي مشروعة في حالة الغارة .

 


نحن المشحرين

في الفصل السابع  تحت عنوان ( الناطور وليرتان فقط )، يحاول الناطور تشغيل أم سعد بشطف وتنظيف درج بناية مقابل خمس ليرات ، ولكنها تكتشف أن سيدة لبنانية من الجنوب كانت تعمل مكانها وبسبع ليرات ، أما الناطور فقد أراد توفير ليرتين للخواجة صاحب العمارة على حساب خلق نزاع بين السيدة اللبنانية الفقيرة من الجنوب وبين أم سعد اللاجئة الفلسطينية ، ولكن أم سعد تتخذ موقفاً ثورياً وبدون شعارات طنانة ورنانة عن وحدة المضطهدين والتحالفات الخ ، فهي تقول " كلما أتذكر تلك القصة يهتز بدني كله ، وأكاد أبكي ، أنني اصاب بالأرتجاف حين أرى ذلك الناطور يتعقبني من قرنة الى أخرى ، يريدون ضربنا ببعضنا نحن المشحرين ، كي يربحوا ليرتين "صفحة 59، .. وأخيراً تتساءل أم سعد " لو أنا والناطور والحرمة قلنا للخواجا … ، وهكذا فأن كلمة نحن المشحرين أغنت عن شرح مطول حول وحدة مصير المضطهدين وضرورة تحالفهم للوقوف بوجه الخواجا صاحب العمارة المستعد لزرع الخلاف بينهم من أجل توفير ليرتين . نحن المشحرين كانت كلمة بسيطة وبليغة تعبر عن جميع المضطهدين ، فالشحار يشمل السواد والقذارة والذل والأهانة لأن النظيفين ( شكلياً _ الخواجات _ سواء كانوا عرباً أو غير عرب ) هم ليسوا من الطبقات المسحوقة وبالتالي من الطبقات الأقل ثورية ( بوجهة نظر ماركسية ) ، وهنا تأكيد على أن الفئات الأكثر ثورية في المجتمع هي هذه الفئات التي عبر ت عنها أم سعد بوصفهم ( المشحرين ) ، أما الخواجة صاحب العمارة فهو قد يكون عربياً ايضاً ،لكن ما تهمه هي مصلحته ، وتوفير ليرتين حتى على حساب حرب بين المضطهدين أنفسهم ، وفي هذه الحالة بين فقراء لبنان من أهل الجنوب والفلسطينيين اللاجئين .وهنا نلاحظ رغبة الكاتب الخفية والقوية بوحدة كهذه بما يتلاءم مع أيديولوجيته ( الشعبية ) بأن الثورة يجب أن تكون كذلك ضد الأنظمة الرجعية العربية التي يمثلها ( الخواجا ) المستغل لمآسي الناس  والذي يريد الربح على حساب المشحرين ، وممكن أن نلاحظ هذه الرغبة في قصة مبكرة كتبت عام 1957 وهي ( درب الى خائن ) في مجموعة المدفع ،عندما يقرر البطل أن يتسلل الى فلسطين لقتل خائن ، لكنه في النهاية يضطر للتسلل الى الأردن مقرراً أغتيال صاحب الجلالة . " أن ( أبو حنيك ) هذه المرة يلبس ثوب صاحب الجلالة .. 
__ أذن ماذا سنعمل ؟
قال وهو يشير الى الأفق :
__  سأتسلل الى الأردن ". المدفع ص69          

 

الحجاب ليس الذي نعرفه

في  الفصل الثامن نشهد تغيراً حاسماً في علاقة أم سعد بالغيبيات وهي من أهم التحولات الأجتماعية الطارئة على وعي أم سعد ، بل هي آخر ما ينتظر أن يتحول عندها لأن التحول الأجتماعي يتأخر عن التحول السياسي عادة ، وقد أعد لها الكاتب جيداً ، فعندما يأتي أليها الأفندي ويسألها أذا ما كان سعد قد عاد الى المخيم تقول له وكأنما تتحداه لكن بلهجة هادئة ( أذهب اليه الى الأغوار وأمسكه )، ولكن الأفندي ينتبه لقلادة في عنق أم سعد ، هذه القلادة لم تكن سوى  رصاصة مدفع رشاش مثقوبة قرب قاعدتها النحاسية ومفرغة من بارودها ، فيقول الأفندي _ لقد غيرتن حليكن هذه الأيام !
وكانت أم سعد ترمقه بحذر وبيدها أمسكت الرصاصة المعلقة بالسلسلة ، ووجدت نفسها تقول ، _ هذا ليس عقداً
_ ماذا أذن ؟
_ هذا حجاب
حجاب ؟
حجاب!
_ حجاب جاء به سعد ؟
_ نعم . جاء به سعد .. صفحة 62
وعندما يسألها الأفندي عن الحجاب القديم تقول أم سعد _ صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين ، وذات يوم قلت لنفسي : ذلك الرجل دجال بلا شك . حجاب ! أنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنين ، ظللنا فقراء ، وظللنا نهترئ بالشغل ، وتشردنا ، وعشنا عشرين سنة ، حجاب ! هنالك أناس ينتفعون بالضحك على لحى الناس !ذلك الصباح قلت لنفسي : أذا مع الحجاب هيك ، فكيف بدونه ؟ أيمكن أن يكون هنالك ما هو أسوأ ؟ صفحة 64 ، لقد أراد الكاتب في هذا الفصل الدفع بأتجاه التحرر من التعلق بالغيبيات والأعتماد على  النفس ( الرصاص ، التسلح ) ، ولعله لم يقصد الحجاب الذي يعلق في الرقبة فحسب بل كل الحجب والغيبيات بأشكالها وألوانها الأخرى ، ومن خلال الحجاب أراد القول أنه لا يمكن الأعتماد على الغيبيات والركون عليها ( هذا واضح في رواية الأعمى والأطرش غير المكتملة التي تشكل هذه الفكرة عمودها الفقري ) ، والتغيير لن يحدث من تلقاء نفسه ،  فالحجاب الذي يقي أبن المخيم لا يكون ألا هو نفسه برصاصه وسلاحه ،وعندما يقول لها الكاتب _ ولكنك تسببت بمشكلة لسعد ، فأنها تبتسم بشبه سخرية ، واثقة  أنهم لن يستطيعوا النيل من سعد المقاتل ، الذي أهداها هذا الحجاب ، رصاصة المدفع الرشاش ، لقد تغيرت الدلالة المعنوية والعاطفية  لكلمة حجاب . 
تغير طعم العيشة 
في الفصل الأخير من الرواية نشهد التغيرات الحاصلة لعلاقة أبي سعد بأم سعد فهو صار لطيفاً ، وهذا اللطف مصدره شعوره الجديد بشيء من الكرامة نتيجة أنخراط الأبناء مع الثورة ،ونلاحظ هنا العلاقة بين اللطف والقوة ، فالشعور بالقوة والثقة بالنفس وارتفاع منسوب الكرامة الجماعية بسبب الأنخراط في الثورة أدى  لشعور بالكرامة الشخصية حيث تترجم الى حب ، والشعور بالكرامة الشخصية رفع معنويات أبي سعد وأدى به لأن يمد يده بلطف الى أم سعد بعد أن كان جلفاً وعصبياً ، ( فجأة تغير كل شيء ، كف أبو سعد عن الذهاب للقهوة وصار حديثه لأم سعد أكثر ليونة ، بل أنه ذلك الصباح سألها أن كانت ما تزال تتعب . وأبتسم طويلا حين رمقته متسائلة عن السبب ، فقد كان يأتي دائماً منهكاً ، ويطلب طعامه بسؤال فظ ، ويكاد ينام وهو يعلك لقمته الأخيرة " ص65 .  أذاً فعدم الشعور بالكرامة وهيمنة الشعور باحتقار الذات  ( الأنا الأعلى )  يؤدي به الى تراجع ظاهر في علاقات الحب والجنس ، فهو ينام وهو يعلك اللقمة ، أي لا وقت ولا محفز لديه للحب والجنس ، وسنلاحظ أن تغيراً طرأ على هذه الحالة بأنطلاق الكفاح المسلح وبداية الشعور الخارجي والداخلي بالكرامة ، وهذا يعني أن الخشونة والعسكرية والثورة المسلحة ( القوة ) لا تعني الكراهية والعنف تجاه الأهل بل الحب والعلاقات الجنسية الطبيعية  ، وأن للحب ملحقات كثيرة كي نستطيع تسميته حباً . وقد ربط الكاتب بين التطور الأيجابي في علاقة الرجل بزوجته ( الرجولة والفحولة ) بالتطور الأيجابي بأتجاه الثورة ، فالثورة أعطت متنفساً جديداً للحب والجنس الأنساني ، فقد كف أبو  سعد  عن الجلوس في المقهى والتسكع بدون هدف ،صار يتحدث عن الكلاشينكوف ، الذي يشير اليه باختصار (كلاشن )، " لقد ذهب تلك الظهيرة الى حيث كان مكبر الصوت يعلو بحديث لم يكن يسمع مثله من قبل ، ووقف هناك فوق الجدار يرقب ، مثلما المصاب بذهول ، أطفال المخيم وبناته ورجاله يقفزون عبر النار ويزحفون تحت الأسلاك ويلوحون بأسلحتهم ، وقد شهد سعيد أبنه الأصغر يقدم أمام الحشود عرضا عما يتعين على المقاتل أن يفعل حين يتعرض لطعنة حربة كي يتجنب الأذى ". صفحة 66 . نلاحظ أنخراط بنات المخيم في المقاومة ايضاً وهذا شيء جديد أراد التأكيد عليه الكاتب في نهاية الرواية ، فدور المرأة لا يقتصر الآن على تخبئة الرجل الثائر في الحمام أو نقل قنبلة في سلة البصل كما في ثورة 1936 ، أو أنتظار أبن العم للعودة من الحرب منتصراً ثم الزواج به ،  هي الآن خرجت الى دائرة الفعل فهي تقفز عبر النار مثل الشاب ، لتصبح شريكة في عملية التحرير للتخلص من الواقع المؤلم ، فهي لا تنتظر النتائج بل تسعى للعمل على تحقيقها . ويقول العجوز " لو هيك من الأول ما كان صار لنا شيء " ، أي أن هذا الطريق سيمنع تكرار ما حصل عام 1948 ،ووافق أبو سعد مدهوشاً من الدموع التي رآها في عيني جاره العجوز : " يا ريت من الأول هيك " ص67 ، أي يا ريت كنا منظمين ومسلحين وواعين وجميعنا يقاتل بما في ذلك النساء والصبايا منذ بداية المشكلة الفلسطينية . وبعد حوار مع العجوز يقول أبو سعد وهو يشد اليه أم سعد " هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين ، هي تخلف وفلسطين تأخذ " ( لعل المباشرة هنا تصل درجة الفظاظة ، أذ تبتعد جداً عن فنيتها  )  وتغير أبو سعد منذ تلك الظهيرة هكذا قالت لي أم سعد ، طبعاً قالت " الحالة صارت غير … الزلمة قال لي أنه صار للعيشة طعم الآن . الآن فقط " ، أذن فالثقة بالنفس والشعور بالقوة وبداية الأمل أرتبط عند الكاتب بتحول في العلاقة بين الذكر والأنثى نحو الأفضل  ، ولعله أراد بهذا أن يتثبت عكس ذلك ، بأن غير المنضمين للثورة ينقصهم عنصر الرجولة ، وعلاقاتهم الجنسية مشكوك فيها ، وليس أنضمام الفتيات للثورة عيب بل هو الصحة والكرامة ، بينما مواصلة التقوقع والأبتعاد عن العمل الثوري المنظم تؤدي لأستمرار أنتهاك الكرامة وحتى للضعف الجنسي . هكذا تنتهي رواية أم سعد ، وقد نجح الكاتب بتوصيل مراده ، وأن كنا نشعر أحياناً أن أم سعد تكاد تكون أماً قاسية ، ولكن لقسوتها ما يبررها ، فهم يعيشون في الوحل والسجن وتنظيف بيوت الآخرين فماذا بقي ليخافوا  عليه ! وفي النهاية لعل  رواية أم سعد من أنجح الروايات السياسية التعبوية الملتزمة وبالأمكان وصفها بأنها رواية تغيير المفاهيم ، ولكن الى جانب أهميتها وحرارة طرحها فقد كان فيها الكثير من المباشرة وقد عانت أم سعد  نفسها ( المرجعية )  من وطأة الأيديولوجية وتدخل الكاتب الواضح أحياناً بصياغة أفكارها وموقفها خصوصاً بالأمور المتعلقة بمشاعرها كأم ، وأن كان يحاول أخفاء ذلك بأستخدام لغتها البسيطة العامية ، لقد أراد الكاتب هنا أن يوصل رسالة واضحة للجماهير الفلسطينية تكاد تكون مباشرة ولكن هذا لا يعود لضعف في أدواته الفنية ، فقد سبقت هذه الرواية رواية ( ماذا تبقى لكم ) وهي رواية فيها فنية أكثر بعيدة عن المباشرة والشعاراتية ، ولكنها قد تحمل بعض الصعوبة لدى القارئ العادي ( الجماهير ) والتي كتب غسان لها كأيديولوجي وسياسي .

 

عائد الى حيفا الأسئلة الفلسفية الصعبة 

يقول ولتر باتر " الفن هو فك أزمة الصراع "، ويضيف لهذا القول جبرا أبراهيم جبرا "وسواء كان هذا الصراع سياسياً أو أجتماعياً أو نفسياً، فأنه المميز الهام  في فن الرواية رغم المدارس الفنية التي نشأت حوله .الحرية والطوفان ص46 جبرا أبراهيم جبرا .   
كتاب كثيرون كتبوا عن مأساة الشعب الفلسطيني ، منهم من عاش المأساة بشخصه ومرت التجارب القاسية على لحمه وفي دمه وعظامه ، فتركت على جسده وفي نفسه ندبات لم ولن يدملها  الدهر ، منهم من أصبح لاجئاً بين ليلة وضحاها لكنه كان واعياً في تلك الفترة ، ومنهم من نجح في البقاء في وطنه  فكتب تجربته ، ومنهم من سمع والتقط من أفواه الناس ومن الصحف والكتب ما حدث ثم كتب ،  ومنهم  من كان طفلاً لا يذكر شيئاً من النكبة ، ومنهم من ولد في المنفى فكتب تجربة المنفى بعد أن شرب حميمها وأكل زقومها حتى الثمالة ، ومنهم من كتب عن العلاقة بين الداخل والخارج ، بين الحنين والواقع  ، أما غسان فقد كان في الثانية عشرة من عمره عند حدوث النكبة وشرد وأسرته من عكا الى لبنان ، أما المشترك بين جميع من كتبوا فهو أنهم حملوا مسؤولية ما حدث للشعب الفلسطيني لليهود وللأنكليز وللجيوش العربية المتقهقرة غير المنظمة ، وفي كثير من الأحيان دون تمحيص وبحث جاد ومقنع للقارئ المحايد أو ما يسمى القارئ الموضوعي ذو النظرة الأنتقادية ، نقلوا صوراً عن المجازر الوحشية البشعة التي أرغمت الفلسطينيين على الرحيل  ، كتبوا عن الحق الذي أغتصب ، كتبوا عن الحنين ليافا وحيفا وعكا والجليل . في رواية عائد الى حيفا نلمس  والتحليل النقدي الواعي والجريء ومواجهة عقدة الصراع  . وبدون رحمة أو انحياز أو ممالأة للجانب الفلسطيني ، فنراه يواجه الواقع والكارثة التي حصلت بأنتقاد ذاتي شديد ! يصل أحياناً  درجة توبيخ النفس وتأنيبها من خلال عقدة شعور بالذنب رافقته في معظم أعماله وبشجاعة نادرة ، فهو لا يتردد في طرح أصعب الأسئلة ،  ومن المفاجئ أنه لا يعتبر  أدانة اليهودي أمراً مفروغاً منه ، ومن ثم تحميله المسؤولية الكاملة لما حدث  ، على الأقل ليس بكل ما حصل .
 رواية عائد الى حيفا مواجهة مرة مع الواقع ،وهي رواية تعالج القضية الفلسطينية والتهجير من وجهة نظر فلسفية عميقة بعيدة عن السطحيات والكليشيهات الجاهزة ، تتساءل فيها ما هو الأنسان ! وما هو الوطن ! وما هي علاقة الأنسان بوطنه ! وما هي الأبوة والأمومة !  فيها يسبر الكاتب نفسيتين متشابهتين عاشتا نفس المعاناة لكنهما متصارعتان ، ضحية حلت مكان  ضحية في صراع بقاء ، ليس لهذه أو تلك ذنب بما حصل فهما  ضحيتان ، هي رواية المواجهة بين اليهودية ميريام الهاربة من بولونيا لتقطن في بيت عائلة سعيد س وزوجته صفية ، ميريام التي تلقت أيضاً الطفل _خلدون _ ابن الأسرة العربية كهدية من الوكالة اليهودية ! و( خلدون ) هو أبن سعيد وصفية الذي تركاه  في سريره تحت وطأة الرعب والحرب ، ومن ثم ليصبح ملكاً للأسرة اليهودية ، فتتبناه وتطلق عليه الأسم الذي يحلو لها  ، " دوف " . في هذه الرواية  غير العادية تختفي التوصيفات التي عرفت بها شخصية اليهودي البشع عموماً في الأدب العربي ما بعد النكبة  ، في هذه الرواية  نراه أنساناً لا يختلف كثيراً عن الفلسطيني وكأنه توأمه بل يحمل نفس الهم والمشكلة ، أذ نجد أنه هو أيضاً هارب من ظلم ووحشية تعرض لها في أوروبا  ، بل أن الكاتب يذكر ذلك الطفل اليهودي الذي قتله النازيون عندما حاول الهرب ، " كانت ميريام قد فقدت والدها في أوشفيتز قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك حين داهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت الى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، ألا أنهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادما أليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها _ أغلب الظن _ أن والدها قد سيق الى المعتقل وأنه الآن صار وحده . ألا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هارباً . وقد أستطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافة الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ، ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص " صفحة 48_49 ، عائد الى حيفا منشورات صلاح الدين 1976 . يتعامل الكاتب هنا مع اليهودي كوجه آخر لمشكلة الفلسطينيين  ، بل هما وجهان لمشكلة واحدة هي مشكلة موجودة داخل الأنسان نفسه  ، وهنا تكمن عظمة غسان المفكر والثوري الواقعي ، فسر قوة الكاتب  بصدقه وملاحقته للحقيقة مهما كان ثمنها  ، فهو لم  يحاول التهرب من المسؤولية ومن الأسئلة الصعبة أو تغطيتها وتعليقها على مشجب ( اليهودي البشع )  ، بل أنه يملك جرأة فريدة  في وضع  الأصبع على الجرح ، أو لنقل على جرح واحد من جراح كثيرة ، حتى على أكثرها  التهاباً . فاليهودية ميريام من أصل بولوني وهي بدورها ضحية للنازية ، تهرب من بلدها الأصلي لتنجو من الموت بعدما حصل لها ، وتأتي مرافقةً  لزوجها الى فلسطين ، وهنا تقدم لهما الوكالة اليهودية بيتاً وطفلاً ، وذلك لأنهما محرومان من الأطفال ، هذا الطفل هو ( خلدون _ تصغير لأسم خالد ) الذي تركه والداه العربيان صفية وسعيد وهربا مع الجماهير المذعورة  المدفوعة دفعاً بأتجاه ميناء  حيفا ، ومن هناك الى عكا فلبنان فرام الله ، لا بد أن نلاحظ هنا الشبه الشديد بين الطفل اليهودي الذي قتله الألمان وهو شقيق ميريام الصغير ، وبين خلدون الفلسطيني الذي تركه أهله في السرير ، ألا أن اليهود لم يقتلوا الطفل خلدون بل ربياه لأنهما كانا يفتقدان للأطفال ومن ثم جعلاه أبنهما  ، وكأنهما أبقيا على حياة خلدون كعملية تطهير من الذنب الفظيع الذي أقترفوه بحق والديه ( الحلول مكانهما في  هذا الحيز من العالم والتسبب بتشريدهما ) . وظاهرة التطهير من الذنب هي ظاهرة أسرائيلية كانت معروفة في حروب أسرائيل مع العرب ، محاولة تطهير الذات والظهور بمظهر حضاري وأنساني من خلال الأبقاء على حياة الأطفال والضعفاء  وتقديم المساعدة لهم  ، أولاً لأقناع الذات بالنظافة وطهارة السلاح ( هذا ما حصل أيضاً في مظاهرة الأربعمئة الف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ، التي كانت عبارة عن صرخة تطهير للذات الداخلية أكثر منها صرخة تجاه الخارج _ الآخر _ ) __،ملاحظة ( في الأنتفاضة الأخيرة   1 00_ 2000 _ حدث تحول خطير في الحالة النفسية الأسرائيلية ،  أذ قُتل فيها أطفال فلسطينيون بشكل متعمد لأهداف لا مجال الآن لتفصيلها وتحليلها وبدون أي شعور بالذنب ولا حتى محاولة للكذب على الذات  ، خصوصاً أمعانهم بقتل الأطفال بعد ظهور محمد الدرة أمام العالم ، وهذا يحتاج الى تحليل نفسي عميق آخر ، كما لو كانوا تنازلوا عن قضية الشعور بالذنب ، ولم يعد يفرق معهم  ) .
لنر الآن كيف أرغمت عائلة سعيد س ، على ترك بيتها مضطرة وكيف تركت أبنها الرضيع في السرير    " كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة ، وليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها ، مرتداً عن شارع الى شارع ، أما الآن فقد بات واضحاً أنهم يدفعونه نحو الميناء ، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً ، وكان أذ يحاول الأندفاع في أحدها ليتدبر أمر عودته الى بيته ، يزجرونه بعنف ، أحياناً بفوهات البنادق وأحياناً بحرابها . صفحة 16 . ويستمر الكاتب بوصف دقيق لما قد حصل وكيف تُرك ( خلدون ) في السرير ، فسعيد لم يكن في البيت ، فهو كان في الحليصة مع المقاتلين وزوجته هي التي في البيت ، ولكنها خرجت من البيت الى الدرج لا تعرف ما تريده ، وفجأة رأت نفسها في موج الناس ، يدفعونها ، وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة ، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده ، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود القش ، كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن ( خلدون ) الطفل ما زال في سريره في الحليصة ؟ صفحة 20 .   ومن هناك الى الميناء ليعيشا في المنفى ، ولكن طيف خلدون يبقى في ذاكرتهما حتى تأتي  حرب حزيران وتسفر عن فتح الحدود ، ( طبعاً عكس التوقعات )، وحينئذ يقررا القدوم الى حيفا مثل بقية الناس ، وأثناء دخولهما حيفا يبدآ بتذكر الطفل الذي تركاه الى أن يصلا البيت ،  ، فيلتقيان السيدة اليهودية التي أحتلت مكانهما والتي تبنت الطفل الذي كان أسمه خلدون وصار  أسمه " دوف "، وتلتقي العائلتان ويدور بينهما حوار هادئ بدون صخب ، ولكنه فريد من نوعه في جرأته وعمقه وصدقه وفلسفته، هو من أجرأ الحوارات التي كتبت حول القضية الفلسطينية وفي مواجهة أنسانية حقيقية  مرعبة .  
تبدأ المواجهة عندما يصل سعيد . س وزوجته صفية الى بيتهما فيقرعا جرس الباب ، وعندما تطل العجوز ميريام التي تقيم في  بيتهما تكون المفاجأة ، لقد أعتدنا أن يغلق  اليهودي الباب بوجه الفلسطيني ، ,أن ينكر حقه حتى في زيارة بيته محاولاً التهرب من المواجهة الأنسانية مع صاحب هذا الحق  ، ولكن أمراً جديداً حدث هنا  ،لم تغلق الباب بوجهيهما ! ولم تقل لهما أنقلعا من هنا هذا ليس حقكما ( كما يحدث عادة في أعمال أخرى ) ، بل أبتسمت وقالت " منذ زمن طويل وأنا أتوقعكما " ص34  . أن أبتسامة ميريام وأعترافها أنها تتوقعهما يثير التساؤل !  عملياً فأن ميريام تعترف بحقهما ولكنها لا تريد الأفصاح صراحة !لأن هذا الأعتراف يعني عدم شرعية وجودها ! ( نلاحظ أنه نفس مبدأ عدم الأعتراف بحق العودة الذي تتبناه حكومات أسرائيل المتعاقبة لأنه يعني نهاية دولة أسرائيل كدولة يهودية  )  ، ولكن ما دامت تتوقعهما وتعترف بحقهما فكيف تتعايش مع حقيقة أنهما مشردان بينما هي تعيش بدفء بيتهما ! بل وحصلت على أبنهما كهدية ! وهل يريد الكاتب القول أن القضية هي معركة صراع بقاء والبقاء يكون للأقوى ! رغم قساوة هذا الواقع ! وأن هذا ينطبق على اليهودي كما ينطبق على العربي ! 
 ميريام لم تستقبلهما بعصبية بل هي متوقعة أن يعودا ، وهي الآن جاهزة نفسياً لأستقبالهما ومواجهتهما ، ونلاحظ أيضاً محاولتها التحرر من الذنب ، بل ربما كانت تشعر بأعتزاز ما أنها ربت أبنهما البيولوجي ( الذي تركاه )  ، بل هي ستترك " خلدون _ دوف " فيما بعد ليوجه لهما الأسئلة الصعبة الحارقة ، والتي ستجعلهما يشعران بذنب شديد ، وبالمقابل ستشعر هي بطمأنينة نفسية وتفوق أخلاقي عليهما في محاولة لتحميلهما مسؤولية ما حدث على الأقل لخلدون أبنهما ! _  " كيف يترك والدان أبنهما في السرير ويهربان " ! سؤال يوجهه _ دوف، خلدون _ ص76 ، أنها متأكدة من أنتصارها الأخلاقي الآن خصوصاً وأن ما حصل فرض عليها فرضاً ، أي أنها في لا وعيها ضد أن تحتل بيتهما والأستحواذ على أبنهما ، ولكن الواقع فرض عليها هذه القساوة ، لأنه كان خيارها الوحيد بين القدوم الى حيفا والحلول مكانهما أو الفناء برصاص  النازيين ،   وهنا يمضي الكاتب لتأزيم الموقف أكثر وليس الى تبسيطه أو محاولة التخلص من المواجة الفلسفية  والأخلاقية ، وكأنه يقول سألاحق الحقيقة حتى النهاية !
فاليهودية أتت مرغمة وتحت وطأة القوة الطاغية ، وأحتلت بيتهما لأنه ليس لديها مفر ، ولكنها أبقت على حياة أبنهما الذي تركاه ، لدينا الآن معادلة  _ ولد يهودي هارب يطلق عليه الرصاص  = ولد فلسطيني عاجز في السرير _ طفل يهودي يطلق عليه الرصاص = طفل فلسطيني نسي في السرير لكن تمت تربيته وتحويل ديانته  _ فالأنسان بقي هو نفسه لكنه تغير بتغير التربية والمحيط الذي  نما داخله  .  فهي أذاً ليست مجرمة ولم تفعل ما فعلته لأجل الأنتقام من العربي ، بل فعلته تحت وطأة الضغط والظروف . من جهة أخرى فقد هربا هما أيضاً تحت وطأة الضغط العسكري ( تطابق الظروف _ نازيون في بولونيا  = عصابات مسلحة يهودية في فلسطين _ طفل يهودي = طفل عربي _ عائلة يهودية = عائلة عربية _  ) هروب من بولونيا = هروب من فلسطين . العائلة العربية تركت أبنها في السرير لنفس السبب ولكنها عملياً فقدت الصلة المباشرة به وما عاد يشعر بأنتمائه لها . 
، وأنحنى سعيد الى الأمام  وسألها : _ هل تعرفين من نحن ؟
وهزت رأسها بالأيجاب عدة مرات لتزيد الأمر تأكيداً ، وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ثم قالت ببطء :أنتما أصحاب هذا البيت وأنا أعرف ذلك "
_ كيف تعرفين ؟ وزادت العجوز ( ميريام ) بأبتسامتها . ثم قالت :
_ " من كل شيء . من الصور ، من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب . والصحيح أنه منذ أنتهت الحرب جاء الكثيرون الى هنا وأخذوا ينظرون الى البيوت ويدخلونها ، وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك . صفحة 35 . أبتداء من هذه اللحظة يحتدم النقاش الفلسفي ذو الصبغة الأنسانية العميقة  ، ولكن ببساطة ووضوح  رغم عظم العقدة . تقول المرأة اليهودية " أنا آسفة ولكن ذلك كان ما حدث . لم أفكر قط بالأمر كما هو الان " ." أبتسم سعيد بمرارة ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا  وأنه لن يشرع في نقاش سياسي ، وأنه يعرف أن لا ذنب لها . "لا ذنب لها " . لا ليس بالضبط ! كيف يشرح لها ذلك ؟." ( الكاتب لم يصدر على الأمرأة اليهودية القادمة من بولونيا حكماً صارماً غير قابل للنقاش ، كأن يقول لها عودي الى بولونيا مثلاً ، لقد أختار  الكاتب  أن يشرب كأس الواقع المر حتى الثمالة ) ، ففتح الباب على مصراعيه للاسئلة الصعبة الحارقة ، لم يختر الطريقة السهلة بألقاء شعار ما على عواهنه ليرتاح من المواجهة الحقيقية ومن السؤال الصعب الذي يوجهه لهما أبنهما ( دوف _ خلدون ) فيما بعد " كيف يستطيع الأب والأم ترك أبنهما وهو في شهره الخامس وأن يهربا ؟ " وكيف يستطيع من هو ليس أمه وليس أباه أن يحتضناه ويربياه عشرين سنة ؟ أتريد أن تقول شيئاً يا سيدي ؟ " صفحة 78 . ولعل تساؤل الشاب لوالديه البيولوجيين هو أصعب سؤال يطرح في الرواية ، وغسان هنا يلوم الفلسطيني ويشعر بالذنب الذي أقترفه ، حتى لو هربت لا يمكن فهم ترك طفل في السرير رغم كل المخاطر . 
وبعد أن تقدم لهما ميريام الضيافة تحكي لهما كيف سكنت في بيتهما وكيف أخذته مع الطفل عن طريق الوكالة اليهودية ، هذا الطفل كبر وصار جندياً في جيش أسرائيل أسمه دوف بدلاً من أسمه العربي خلدون ، وعندما يسألها سعيد ،س متى سيحضر ؟
تقول __ " وقت أوبته الآن ، ولكنه قد يتأخر قليلاً . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته الى البيت ، أنه مثل أبيه تماماَ ..  " صفحة 53 ، وتقصد هنا أباه اليهودي المتبني وليس البيولوجي ، فقد أكتسب الطفل الأبن عادات الأب وأن لم يكن هذا الأب أباه الحقيقي .
، هل صدفة أن الكاتب أختار لليهودية أسم ميريام ؟ ميريام أسم له بعد تاريخي ديني ! ربما  أختاره  للتذكير بأن اليهود قريبون من العرب تاريخياً ! ولهذا الأسم دلالته ، فهو أسم له قدسيته في الدين المسيحي والأسلامي ، ونلاحظ أن ميريام هذه لا تنجب ولكنها حصلت على أبن هو " خلدون " والذي أتاها كهدية ( من السماء ! ) فأطلقت عليه أسم "دوف " ، أذاً فهي ميريام ولا تنجب ! ولكنها حصلت على أبن لها من الوكالة اليهودية ، وكأن الكاتب يريد أن يقول ربما بلا وعي منه أن ما حدث هو من صنع القدر وليس للأنسان سلطة عليه ،  وأما " دوف " فهو ، الدب ، وكذلك الحمامة " وأعتقد أن الكاتب قصد   الدب ،  !وكأنه  أراد القول بلا وعي منه أن هذا الخلدون الفلسطيني تحول الى " دب " بعد أن تمت تربيته في أسرة من أصل بولوني ! .وأن هذا الدب " دوف " الضابط الأسرائيلي ستتم مواجهة حتمية بينه وبين خالد ( شقيقه البيولوجي )  أبن سعيد وصفية الذي يتمنى سعيد أن يجده قد أنضم للفدائيين ( الحل ) !  .   يمعن  الكاتب بتأزيم الموقف أكثر فأكثر فقد ذكرت السيدة اليهودية أن " دوف _ خلدون " مثل أبيه ، قاصدة زوجها اليهودي الذي تبناه ، " مثل أبيه " وفجأة سأل نفسه :" ما هي الأبوة "؟ وكان كمن فتح مصراعي شباك أمام أعصار غير متوقع " ص54  .  هذا السؤال يخبرنا الكاتب أنه كان كامناً في رأس سعيد منذ عشرين عاماً دون أن يجرؤ على مواجهته ، ويطرح الكاتب سؤالاً جريئاً غير متوقع ، ما هي الأبوة ! هذا السؤال يطرحه على نفسه ذلك الأب الذي ترك أبنه في السرير طفلاً ، فهل الأبوة هي بمجرد الأنجاب أم أن الأبوة هي لمن يربي هذا المولود ؟ . أذاً لدينا والد بيولوجي ووالد بالتبني ، لدينا شقيقان ، " خلدون _ دوف "  وخالد "، والشقيقان سائران الى صراع حتمي لأن خلدون ضابط أسرائيلي وخالد سينضم للفدائيين ، أذاً فهل هو صراع أشقاء ! ولماذا أطلق أسم سعيد س على الوالد ! سعد وسعيد في رواية أم سعد كانت لهما دلالة معينة هي التفاؤل ، وأما هنا فالأسم يتناقض مع دلالته ، أذاً هل هي السخرية المرة ! وخصوصاً أنه أضاف حرف س كرمز لأسم العائلة ، هل أراد أن يترك وهماً لدى القارئ أن القصة حقيقية وحتى أسماء أبطالها !  فهو لم ينتهج أسلوب كتابة حرف واحد من أسم أي من أبطال قصصه الأخرى  .  
 تقول  ميريام " أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء ، أنا أعرف أنك أبوه ، وأعرف أيضاً أنه أبننا ! ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ! لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشداً ( تحاول  ميريام هنا أضفاء صفة الشرعية على أمتلاكها لخلدون وبأختلاق عدالة وهمية تتلخص بأتاحة الخيار  له رغم علمها المسبق بموقفه )  .  صفية تقول بسذاجة " أنه أختيار عادل " وهي واثقة أن خلدون سيختار والديه الحقيقيين " لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم " هنا يطرح  الكاتب مسألة فلسفية  جدية  أخرى ، هل الأنسان من لحم ودم بالفعل فقط وسيحمل الصفات الوراثية حتى لو ترك طفلاً لدى الآخرين ! أم أن التربية والمحيط والبيئة هي التي ستحسم أنتماءه !  فصفية تخاطب الغريزة البدائية بأن هذا الشاب لايمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم وهذا موقف بدائي بلا شك  ،  ولكن زوجها " سعيد س " يضحك بكل قوته ، " أي خلدون يا صفية ؟ أي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ، الى أن يقول "لقد أنتهى الأمر . سرقوه ." ويقول سعيد س لقد بدأت الجريمة قبل عشرين عاماً ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا " .
وترد صفية " ولكننا لم نتركه ، أنت تعرف "
_ بلى . كان علينا ان لانترك شيئاً . خلدون  والمنزل وحيفا ، صفحة 57،
أذاً فهذا أعتراف من قبل الكاتب بأن الأنسان الفلسطيني يتحمل قسطاً من المسؤولية بما حدث له لأنه تَرك ، ولا يمكن تحميل مسؤولية كل ما حدث لليهود والأنكليز ، وفي الواقع قد يكون غسان قد تفرد بهذا الموقف من بين الكتاب العرب عموماً الذين قفزوا عن مثل هذه الأسئلة الصعبة . وتبلغ ذروة هذا اللقاء عندما يدخل " دوف _ خلدون " ببزته العسكرية الى البيت وتقول له ميريام اليهودية "توجد مفاجأة لك "، وتخبره أن هذين هما والداه ، وبعد صمت يقول " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقد قتل في سيناء قبل أحد عشر عاماً " وبعد ذلك يتساءل " وماذا جاءا يفعلان هنا ؟ لا تقولي لي أنهما جاءا لأسترجاعي ! ثم يسأل سعيد " والده البيولوجي ، ماذا تريد يا سيدي ؟ " ويجيبه سعيد " لا شيء لاشيء أنه مجرد فضول كما تعلم " صفحة 73 .
ما يريد الكاتب قوله هنا أن الأنسان قضية وليس من لحم ودم فقط ، الأنسان ينمو وينشأ وتتحكم بمصيره ظروف معينة محيطة قد تكون فوق قدرته على فهمها أو حتى مواجهتها ،هذا ما حصل للعائلتين اليهودية والعربية ،  وتأكيداً لفكرة أن الأنسان قضية بغض الطرف عن أنتمائه العرقي ، فهو ينتقل الى موقف مشابه لعائلة عربية حلت لتعيش في يافا مكان عائلة عربية أخرى كانت قد رحلت ،  أي أن ما قام العربي مشابه من حيث المضمون لما قام به اليهودي عندما وضع في نفس الظروف ،لأنه مضطر هو الآخر ،  وبدلاً من الطفل العربي المتروك في السرير سنجد صورة شهيد من أفراد العائلة التي تركت البيت ما زالت معلقة على الجدار . يحدث "سعيد س " زوجته صفية بهذه القصة فيقول "  أتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟ ص57 ، ويبدأ سعيد يحكي لزوجته صفية ما حدث لفارس ، وذلك عندما تقوم ميريام وتتركهما في الغرفة وحيدين ! يحكي لها قصة فارس اللبدة جارهما في رام الله الذي جاء قبل أسبوع الى يافا الى بيته وقرع الباب فأطل منه شاب مد يده ليصافحه فيرفض فارس مصافحته وقال له " جئت لألقي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي أنا ، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي بقوة السلاح . " صفحة 59 ، وتكون المفاجأة أن الرجل الذي يقطن بيت فارس هو عربي يحتضنه ويقول " لا حاجة لتصب غضبك علي فأنا عربي أيضاً ، ويافاوي مثلك ، وأعرفك ، فأنت أبن اللبدة … أدخل لنشرب القهوة " صفحة 60 . والمفاجأة أنه أي فارس يجد أن صورة أخيه بدر الذي أستشهد دفاعاً عن يافا عام 1947 ما زالت معلقة مكانها كما تركها قبل عشرين عاماً ،بل أن الرجل الذي سكن مكانه قد أطلق على أحد أبنائه أسم " بدر"  على أسم الشهيد شقيق "فارس اللبدة " والذي أبقى صورة الشهيد بدر معلقة منذ عشرين عاماً ،( نلاحظ هنا التشابه ( خلدون _ الذي تحول الى " دوف " في الحالة الأولى بينما هنا نجد صورة للشهيد بدر ما زالت مكانها ) ، العائلة اليهودية القادمة من بولونيا حاولت تغيير الماضي _ تزييفه بفرض واقع جديد وتربية خلدون تربية يهودية _ العائلة العربية تمسكت بصورة الشهيد محافظة على الأتصال بالماضي .  وعندما يعود فارس الى رام الله يأخذ معه الصورة ولكنه في اليوم التالي يعيدها قائلاً ": لقد شعرت أنها ليست من حقي " ويقصد أنها من حق من بقي وحافظ على البيت ، أما الشاب الذي يقطن في بيت اللبدة فيقول له عندما يعيد الصورة " شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط ، وقد بكت زوجتي وأصيب طفلاي بذهول أدهشني ، لقد ندمت لأنني سمحت لك باسترداد الصورة ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن ، عشنا معه وصار جزءاََ منا ،  وفي الليل قلت لزوجتي أنه كان يتعين عليكم أن أردتم أسترداده أن تستردوا البيت ويافا ونحن .. الصورة لاتحل مشاكلكم ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم "ص 67 . نلاحظ هنا أيضاً أن الصورة أصبحت ملكاً شعورياً ونفسياً لمن سكن البيت ولم تعد حتى لشقيق الشهيد ، كما أصبح خلدون ملكاً للعائلة اليهودية ، وأذا كان بالفعل يريد أستردادها عليه أن يحمل السلاح ويسترد يافا كلها وليس الصورة فقط ، كذلك أذا أرادوا أسترداد خلدون وحيفا عليهم التوجه للصراع  .  هنا أيضاً تطرح أشكالية أن الأنسان قضية ، وصورة أبن اللبدة الشهيد " بدر " تشبه قضية "خلدون " فكلاهما قضية ، لأن خلدون " دوف " سيقول " أنا لم أعرف أن ميريام وايفرات ليسا والدي ألا قبل ثلاث سنوات أو أربع ، منذ صغري وأنا يهودي ، أذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير ، وأدرس العبرية ، وحين قالا أنني لست من صلبهما لم يتغير شيء.. وكذلك حين قالا لي أن والدي هما عربيان ، لم يتغير شيء . لا لم يتغير ، ذلك شيء مؤكد .. أن الأنسان هو في نهاية الأمر قضية . " ص 76  " أليس الأنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ أذا كنت أنا نادماً على شيء فهو أنني أعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة " ص81_ 82 . وبعد أن يصطدم في هذا الواقع ،  يسأل نفسه ما هو الوطن ؟ وهو أيضاً سؤال فلسفي صعب ، " أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ شجر البلوط ؟ صورة القدس على الجدار ؟ " الخ . بعد هذا يقف " خلدون _ دوف "، ويتهم والديه البيولوجيين بالجبن لأنهما تركاه ولم يحاولا أستعادته ، ولكن صفية تطرح سؤالاً فلسفياً  مرة أخرى ، " ولأننا جبناء يصير هو كذلك " ؟ ثم يحدثه سعيد س :
" زوجتي تسأل أن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا ، وهي كما ترى تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء، ومن هنا فأنت على حق ، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئاً ، أن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحاً ، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لأيفرات ولميريام في أوشفيتز صواباً " . أذا مرة أخرى يجري الكاتب مقارنة بين ما حدث للفسطيني في حيفا وبين ما حدث لليهودي في بولونيا ،( هروب اليهودي وهروب الفلسطيني ). ليقول أن الأنسان قضية شمولية أكثر من كونها حسابات ربح وخسارة ،وقد خربط الكاتب الشخصيات وجعلها متداخلة ليقول أن القضية ليست بين يهودي وفلسطيني بل هي بين أنسان وأنسان ! أنسانان تعرضا لنفس الظروف وتصرفا نفس التصرف ! ضغط تبعه _ هروب ، ثم _ أحتلال مكان الآخر _ النازي ضغط فهرب اليهودي = ضغط اليهودي فهرب الفلسطيني ، اليهودي أحتل بيت العربي وأخذ أبنه = العربي في يافا قطن مكان العربي وأستولى على صورة شقيقه الشهيد فصارت ملكاً له ، اليهودي خائف  لكن هذا لا يبرر تصرف النازي = الفلسطيني خائف لكن هذا لا يبرر تصرف اليهودي  . أذاً  كيف سيحل هذه الأشكالية الأنسانية ؟ فيسأل سعيد دوف _ خلدون " وأنت تعتقد أننا سنظل نخطئ ؟ وأذا كففنا ذات يوم عن الخطأ ، فما الذي يتبقى لديك ؟ " ص87 . ويصل الى نتيجة أن الحرب هي التي ستغير وتصحح الأخطاء ، " ألم أقل لك أن كان يتوجب علينا ألا نأتي .. وأن ذلك يحتاج الى حرب . هيا بنا "    لقد عرف خالد ( ابنهما )  ذلك قبلنا .. آه يا صفية آه .. وعندما خرج من بيته قال مخاطباً " ميريام وخلدون _ دوف " تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب " وتنتهي الرواية عندما يقول " أرجو أن يكون خالد قد ذهب .. أثناء غيابنا " ص91 ويقصد ذهاب أبنه خالد الى الفدائيين لينضم اليهم .  أذاً  فالذي أراد الكاتب أن يصل أليه أنه لا يمكن مخاطبة اليهودي الذي أحتل بيتك من موقع الضعف ، وكي تستطيع أن تخاطبه عليك أن تكون نداً له ، أن تصارعه وبعد ذلك يمكن الحديث أو التفاوض معه ، لأن التفاوض في هذه الزيارة تم من موقع الضعيف ، وعليه في المرة القادمة أن يكون من منطلق القوة أو الندية ، وأذا نظرنا الآن الى الثلاثين عاماً الماضية نجد أن رؤية الكاتب قد أصابت ، فالمجتمع الدولي ( الأنساني ) لا يرحم الضعفاء ، وكي تجد لك مكاناً محترماً على وجه الأرض يجب أن تكون قوياً ، حينئذ فقط ستحترم أيها الأنسان في كل زمان ومكان ، وسيكون بأمكانك أن تفاوض وسوف تحصل على حقوقك بقدر قوتك .

 

المسافر الأبدي

( سقراط وأفلاطون نظرا الى الفن نظرة أخلاقية ، وكانت نظرة أرسطو تربوية ، غير أن الفرق بين النظرة القديمة والجديدة هو أن علماء اليوم جمعوا معاً : الأخلاقية والتربوية ، وأضافوا اليهما الطابع الأجتماعي والطبيعي ، ووجدوا أن الفنان في أبداعه الفني يخضع لثلاثة عوامل أو مؤثرات ، البيئة الطبيعية _ الأجتماعية والجنس والأخلاق ، وأن كان دريكايم يغلب الطابع الأجتماعي على كل أبداع . فصول في علم الجمال ، عبد الرؤوف برجاوي ص 176 _ 177
لقد تحولت حياة الفلسطيني الى سفر وترحال  طلباً للرزق أو الأمان أو العلم ،  ولهذا نجد أن موتيف الترحال والسفر والرسائل القادمة من بعيد أو المرسلة الى البعيد ، تحتل حيزاً محترماً في أدب غسان كنفاني ، فكثيراً ما نجد بطله  مسافراً   عبر الصحارى والطرق السريعة أو سيارات الأجرة أو القطارات والمطارات ، أو أنه  في غرفة بعيدة وحيداً يشكو العزلة ، . وهذه باقة من هذه الحالة الملفتة  التي أستخرجتها من قصصه القصيرة ( المجلد الثاني  من الأعمال الكاملة ) ، ولكنني تجنبت القصص والتنقلات التي كانت في فلسطين نفسها كما في قصص عن الرجال والبنادق  ، لأن التنقل لم يكن بسبب اللجوء والهجرة ، والأمثلة التي أسوقها هنا تعبر عن التنقلات الأضطرارية في الغربة .
__  القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل الى طهران . شيء لا يذهب  ص57
__ لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة . منتصف أيار ص71
___ وغبت عنك بعيداً حيث أقتلع عيشي أقتلاعاً ، ص 104 في جنازتي
 ___  لقد كانت الرحلة شاقة حقاً .. أن المركب الذي حمل هذا الحشد الطموح عبر الجنوب .. ثم صعد المضيق الى الشمال قاصداً ركن الخليج . ص139 موت سرير رقم 12
__ كنا نعرف أيضاً أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا ، فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش ص156 لؤلؤ في الطريق
__  ما كاد السيد علي يطمئن على مقعده في سيارة الركاب حتى لمح وجه السيدة زينب تجلس في الجانب الآخر . ص167 الرجل الذي لم يمت .
___  آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ! هذا لا يهم فقط لو يستطيع ان يذهب . ص183 الرجل الكئيب .
__  لقد مشيت كثيراً حتى تعبت أمي ، 194 المجنون .
__  وأستغرقت رحلتنا ثلاث ساعات . ص227  قلعة العبيد .
__  كان علي أن أتنقل بين ثلاث قرى لأؤدي دروسي فيها __ ، كان ركوب السيارة امراً مرهقاً حقاً ، كنت أحاول أن أنام  أحياناً خلال الطريق .   ص237 ستة نسور وطفل
__  وحينما شاهد أول سيارة أجرة أشار اليها وأندفع الى المقعد الخلفي . ص 249 القط
__ حينما كنت أنقل نظري في وجوه رفاق السفر كنت أحس بوضوح كم هي قاسية رحلتنا ، شعورهم بيضاء من الغبار . ص259 الخراف المصلوبة
__  لقد أنزلته السيارة على باب الفندق . 291 الأفق وراء البوابة
__ سآتي من فلسطين ماشياً على قدمي ، كما أتيت في المرة الأولى ، وسأبحث عن الشرطي هذا ما استطعت ، ثم سادعوه ليقضي شهراً كاملاً في طيرة حيفا على حسابي , ص 339 ورقة من الطيرة
__  ومست شفاهك الباردة وجنتي وأدرت عني وجهك ميمماً شطر الطائرة ، وعندما التفت الي مرة ثانية كنت أرى دموعك .. ص 343 ورقة من غزة
___  كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا ، وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف اليها من هنا وهناك بحركات سريعة ص363 أرض البرتقال الحزين
___ ولكن ما الذي قاده الى الموصل ؟ أنا أعرف أنه يعيش في بغداد .. __ أتريد أن أقول لك نفس كلامه ؟ قال أنه يريد أن يخطو نحو اللد ، أن الزيف الذي غرقت فيه بغداد قد قطع في صدره كل أمل .. ص387 قتيل في الموصل
___  فور أن شاهدتها في الأفق سقط أسمها في ذهني دون أن أقرأه أو أسمعه : كانت الطريق أقصر مما ظننت ، وقد شاهتها عن بعد فكففت عن التجذيف ، وأخذت اتأملها وهي مكومة في الأفق كجبل اسود في المدى المترامي لزرقة البحر . ص444 كفر المنجم
___  قادتنا الظروف نفسها تقريباً للسفر الى هناك .. لقد قبلنا بنوع من الأختيار البطل ، أن ننفي أنفسنا مقابل أن نرسل لعائلاتنا ما يقيم اودها . ص 461 عشرة أمتار فقط
___  أول مكان ذهبت اليه بعد وصول الطائرة كان ذلك المكان الذي حلمنا أن نشاهد فيه اللحم والحب والأكتفاء ص 490 علبة زجاج واحدة
__  ألا تكتب لك ؟ _" طبعاً كل ستة شهور مرة ، أنت تعرف أنهن لا يفكرن بامهاتهن كثيراً ، ص544 الشاطئ
__  وبعد عشر دقائق قرر أن يطلق لسيارته العنان ، فالطريق واسع وطويل ويمتد حوالي سبعة أميال في خلاء شبه صحراوي ص561  رسالة من مسعود .
___  لقد ولد عامر من أب أيطالي وأم فرنسية وكان الأثنان يعملان في السلك السياسي هنا منذ زمن بعيد حينما تعارفا ، وأذا كان قد أتفقا كثير من الأمور فأن الشيء الأهم الذ يجمعهما هو حبهما للشرق . ص574 رأس الأسد الحجري .
___   عزيزي رياض ، لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد .. ص591 العروس
___  مع أشعة الشمس التي كانت تأكل راسه وهو يضرب في صحراء النقب . ص 793 الى أن نعود 
__  رأيناه أول مرة جالساً في واحدة من تلك العرائش المتناثرة على طول الطريق الممتد في الصحراء بين بغداد والمفرق ص815 درب الى خائن
___  لقد سافر رياض الى الأردن ، بعد أنتكاسة نيسان الأخيرة . ص829 البطل في الزنزانة .
___  وفيما  كان الباص ينسرب في أنفاس الشروق ، كان اللحن المجروح يكمل الطبيعة . ص869 كان يومذاك طفلاً .
أما في الروايات فأن رجال في الشمس تعتمد بالأساس على موضوعة  السفر الأضطراري للبحث عن لقمة العيش  ، فالأبطال يلقون حتفهم أثناء السفر في خزان تنقله شاحنة كبيرة ، وفي رواية ما تبقى لكم ، فأن حامد يمضي عبر صحراء النقب مشياً في طريقه الى أمه . وأما عائد الى حيفا فهي سفر معاكس ، هو سفر نحو الوطن ، أذ يأتي سعيد س وزوجته صفية الى حيفا من المنفى بعد حرب 67 ، ويدخلا حيفا في سيارتهما يتأملان شوارعها ، ولكنهما لا يلبثان  أن يعودا مسافرين الى المنفى . وفي رواية أم سعد فأن السفر يكون من لبنان الى الأغوار ، فقد سافر سعد الى هناك كي ينضم للثورة ، الأمر الذي يشير الى أن موضوعة السفر القسري والرسائل المرسلة أو القادمة من بعيد أحتلت حيزاً محترماً من نتاج غسان الأدبي ، حتى يكاد لا يخلو منها عمل واحد ، وهذا أثبات دامغ على ما سبق وقلنا أنه أستمد أبداعه من الحوض الأجتماعي الذي عاش به  .

                     


الكثافة السيكولوجية

مما يلفت ألأنتباه بسهولة أن أبطال قصص غسان يحملون كثافة سيكولوجية عالية جداً  ، وهم أبعد ما يكونون عن الشخصيات  المسطحة ، أي أن الكاتب دخل الى عالم البطل النفسي اكثر بكثير من أهتمامه بما يبديه من حركات ظاهرة على السطح ، حتى شكل ولباس البطل لم يكن ليهتم به ألا حين يخدم الوظيفة السيكولوجية ويضيء جانباً معتماً من الشخصية ، بل  أن مهنة البطل أهملت في كثير من الأحيان ، فنقرأ كثيرا من القصص ولا نعرف بماذا أشتغل هذا البطل أو ( اللا بطل ) ، أما حيث ذكرت المهنة فهي  وظيفة في مؤسسة ما ، وكثيراً ما تكون مهنة التدريس ( المهنة التي مارسها الكاتب ) أو يستبدلها بالهندسة أو  بوظيفة كتابية أخرى ، وهذه أيضاً موضوعة تستحق الدرس  . أما الأبطال ( اللاابطال ) فهم عادة على  حافة  الجنون والتصرفات العصبية والعزلة ترافق معظمهم ، ولهذه الشخصيات دائماً ما يبرر حالتها النفسية الغريبة هذه ، وتكمن قدرة الكاتب هنا أنه نجح بتوصيل واقع لامعقول ليصبح  معقولاً ، مثلاً كي يقبل ثلاثة رجال أن يدخلوا خزاناً من الصلب في الصحراء يجب أن يكونوا مجانين ولكن عندما نقرأ نقتنع بأن دخولهم للخزان كان حقيقياً  وليس ملفقاً ، وألا كيف كانوا سيعبرون الحاجز ويدخلون الى الكويت ؟ فرغم تصرفهم المجنون فهم تصرفوا  بتعقل أزاء الواقع الذي وجدوا أنفسهم يتقلون فيه ، سنختار نماذج للبطل المنعزل والمتوتر نفسياً   _ القصص _ الأعمال الكاملة ، .
__ كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه أحساسه بالوحدة والعزلة ، أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة . البومة في غرفة بعيدة ص43 . 
__   أطمأنت الأيرانية الحسناء أخيراً أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل ، فأستسلمت لأغفاءة قلقة ، شيء لا يذهب ص59 .      
__ ألم يكن الأجدر بي وقد فشلت في حمل أزهار الحنون الى قبرك .. أن أستمر في الصمت الذي بدأ منذ أثنتي عشرة سنة ؟ يبدو لي أنه من المستحيل أن أستمر في صمتي . ص72 منتصف أيار .
__  لم أحس الأهانة على الأطلاق فلقد كان شعوري حينما كنت أشاهد حذاء رخيصاً يشابه شعوره ، ولكنني لم أكن أعبر عنه بهذه السذاجة ، كان الحذاء الرخيص يشعرني بأقتراب غامض بيني وبين العالم . ص84 كعك على الرصيف .
__  ولكنني في الحقيقة أنسان مريض فالدم الذي يحترق في لا قيمة له على الأطلاق : فهو دم يليق بأنسان عجوز ، نصف ميت ، نصف ساكن ، ليس في صدره سوى صناديق الماضي المقفلة ، ص101 في جنازتي .
__  قررت أن أصارحها مهما كلفني الأمر من ذلة ، ص115 الأرجوحة .
___  قلت لنفسي لقد فقد محمد علي أكبر أسمه أنه السرير رقم 12 . موت السرير رقم 12 ص129
__  ولكن الغرفة فيها بقيت صامتة كما كانت ، كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : الصمت يا ترى لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سنستقبل عاماً لا يبدو أقل عذاباً . ص155 لؤلؤ في الطريق .
___  ولكن السيدة زينب لم تتحرك ورأت زوجها كالذي به مس من جنون يجمع أدوات الحفر . حفر قبر ولدها ورغم ذلك فلقد بقيت خارج الدنيا . ص179 الرجل الذي لم يمت .
__  أنت تعيش وحيداً الآن أليس هذا الذي أردته ؟ هل كان من الضروري أن ينقطع الماء عن منزلك لتكتشف أنك وحيد ؟ ص 185 العطش .
__  أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، ص189 المجنون
__  كانت في رأسه فكرة ملفوفة بشرنقة من حرير بنفسجي ، وكان يدور حولها دبور يستمتع بالأنتظار ، ولكن الفكرة كانت هناك ، وكان الدبور عاجزاً ، بملء رغبته عن الوصول الى ما داخل الشرنقة . ص201 ثماني دقائق .
__  هكذا يتحدث دائماص نفس الكلمات التي تجعلني أرتجف أمامه " بشكل رهيب " ورأسك في مكان آخر " وخامة صالحة " كل ذلك بدا لي ساعتها متهافتاً كزجاج شيء الصنع . ص216 أكتف الآخرين
__  يقولون أن عجوزاً نصف مجنون يسكنه __ وماذا يفعل في الخلاء لوحده ؟ __ ما يفعله أي نصف مجنون يخطر على بالك . ص228  قلعة العبيد . 
    __  كل هذا كنت أحتمله على مضض لسبب قد لا يعرفه سوى مدرس قام بعمله في القرى ، المدرس هناك شيئ مقدس . ص238 ستة نسور وطفل
__  فكرت كان القط على وشك الموت ؟ _ نعم أعتقد أنه كان ينتظر .. _ أذن .. لقد زحف الى هناك كي يموت هناك . 254 القط
__  لست املك ماء ولم أجد طوال النهار أية قطرة ، كان الحزن قد أخذ يتسع في عينيه حتى ملك كل شيئ وبدا لي أنه موشك على البكاء . ص264 الخراف المصلوبة
__  أسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك ريثما يبرد الحساء أنت لن تمنعني من الأرتجاف ، اليس كذلك أنه حق ما زال متوفراً لي حتى الآن .. شيء مؤسف ولكنه حقيقة واقعة أن رجالك لا يستطيعون أن يمنعوني من ذلك . ص279 أبعد من الحدود
__  وفي العينين الصغيرتين المترقبتين ذاب كل الأصرار الذي حمله معه ، كأن قوة خفية تمسكت بحلقه وأخذت تهزه بلا هوادة . ص296 الأفق وراء البوابة
__  وقطع أفكاري مرور أبي عثمان من أمامي عائداً الى مكانه بعد أن دفن فاطمة ، وعندما حاذاني غير ناظر الي البتة تذكرت أنهم قتلوا زوجته ، وأن عليه أن يواجه مصاباً جديداً . 322 ورقة من الرملة
__  الحمد لله على أي حال ، الحمد لله أنني لم أكن خائناً ولاجباناً في يوم من الأيام ، ولو كنت كذلك أذن لما سامحت ذلك الشرطي . ص330 ورقة من الطيرة
__  كان كل شيء ساعتئذ يدور مع المحرك ذلك الدوران الصاخب وكنت أنت تقف أمامي بوجهك المليء بالصمت . ص342 ورقة من غزة
__  أنسحبت الأظافر فبقي جامداً واقفاً لمدى لحظات كالدهر لقد احس بالحياة تتسرب من جسده وبات أحساسه بالموت صلباً وكبيراً ولكنه لم يشأ أن يقع فتجالد واضعاً كفيه فوق وجهه ألا أن الموت كان قد وصل وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشي البعيدة لقد أتى من تحت تسلق ساقيه فأحس بالعجز ، ص355 الأخضر والأحمر
__ وبدأت الأمور تتعقد كان أبسط شيء قادراً بشكل عجيب على أستثارة والدك ، أنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره لقد انتفض ثم بدأ يرتجف كمن مسه تيار صاعق . 373 أرض البرتقال الحزين ،
__  كانت أمه عطشى وكانت حافة البئر مكتظة بمئات الرجال والنساء الذين ينتظرون فرصهم لكي يشربوا ولكي يعيشوا .. لقد زاحم الناس بأصرار رجل بائس وحينما عاد الى أمه بالماء الملوث بالتراب : كانت قد ماتت . ص380 قتيل في الموصل
__  صحيح أنه أنهيار عصبي .. ولكنه ليس هنا .. _ أين أذن ؟ __ أشار الى صدره وقال بهدوء : هنا __ الأنهيار العصبي لا يحدث هناك قط _ من قال لك ؟ _ الأطباء ـ أنهم مجانين . ص397 لا شيء
__ وأخذ حسان يحدق مهموماً الى الحسون محاولاً أن يكشف بنفسه سبب خوف الطائر المذعور منه ، ص413 عالم ليس لنا
__  وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً هزيلاً قاسياً بارداً وتحرت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله ، الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! ص436 الصقر
__ أذكر جيداً الآن ان أبراهيم قد أختفى في اليوم التالي .. شاهدناه آخر مرة واقفاً أمام لوحة الأسماء ، ألا ان أحداً لم يجرؤ على الأقتراب منه .. وما من شك أنه قرأ القوائم مرات طويلة بطيئة ويديه معقودتين وراء ظهره ثم أستدار دون أن ينظر الينا ومضى .. في اليوم التالي قيل أنه انتحر . ص441 كفر المنجم
__  تلك هي المرة الأولى التي يغادر فيها غرفته العارية منذ أربع سنوات على الأقل ، حتى أنه كان على وشك أن ينسى كيف يتعين على المرء أن يسير دون أن يقع . ص449 ذراعه وكفه وأصابعه
__  أمامي أكثر من نصف ساعة مسير شيء مضحك أن يضع الأنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة ثم تبقى المسافة بينه وبين أنسانيته معطلة تماماً ص463 عشرة أمتار فقط
__  أنني اعتقد أنه طفل مجنون ، _ أجاب الأستاذ حسن : ولكنه ليس مجنوناً ، أنا نفسي أصلحت حذائي عند والده ، وحينما عدت عنده لأصلحه قالوا لي أنه مات . ص476 المنزلق
__  راودنا شعور بأننا ضيعينا شبابنا دون أن نعيش لم يكن بوسع أي منا أن يحدق الى تحت أكثر مما فعل ، كنا نصاب بشيء يشبه الدوار ، وكنا نحس بشيء يتقطع في صدورنا كلما هدرت الطائرة موغلة في غيوم آب العالية ،وكان التقطع هذا يبعث راحة عجيبة .ص483علبة زجاج واحدة .
___  هل تسمعين السيارات كيف تنعق كالضفادع وهي محملة بالبشر كالسردين ؟ أنه عار عار كبير تصوري يتزوجون بلا زفة ص505 عطش الأفعى
__  منذ بدأ يعي معنى الكلمات _ لا يذكر متى بالضبط _ وهو يسمع هذه الجملة من بين أسنان أبيه . لقد كان غريباً حقاً أن أباه كان الأنسان الوحيد في العالم الذي سنعه يتمنى لأبنه أن يكون حصاناً . ص511 لو كنت حصاناً
__  مهما يكن فأن السيد عبد الرحمن لم يكن يعتقد أنه نصف مجنون كما كانوا يقولون عنه . 526ص نصف العالم
__  مرة أخرى دارت القطة الناصعة البياض حول نفسها ألا انها عادت الى وضعها السابق وفكر الراهب الشاب في خطة القطة ، تراها ماذا ستفعل الآن ؟ ص541 الشاطئ
__  ولم يستطع مسعود بك أن يتخلص من فكرة ملأت رأسه فجأة : لقد تبدت له بادئ الأمر فكرة سقيمة ولكنه في مدى ساعتين فقط ، أعتادها تماماً متيقناً أن ليس ثمة أي مخرج عادها ، ولم يكن بحاجة الى أي دراسة للتفاصيل حين قرر أن ينهي حياته ويضع حداً بذلك لعامين وثلاثة شهور مزدحمة بالشقاء والتعاسة . ص570 جحش
__  كيف يمكن لأبي أن يفكر بالتخلي عن البيت الذي عاش فيه أكثر من ستين سنة ؟ كيف ؟ ألا تملأ صدره تلك الرائحة ؟ ص579 رأس الأسد الحجري
__  عزيزي رياض لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت ، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد ص 591 العروس
__ كانت العلب تبدو بعيدة ، وكنا نرتجف كحقل من القصب العاري ، ننط كي تظل الدماء تجول في عروقنا ، وبعد مليون سنة جاء دوري ، فناولتني الممرضة علبة حساء من مسحوق العدس . ص620 المدخل لمجموعة عن الرجال والبنادق .
__  كان ذلك في زمن الأشتباك ، أقول هذا لأنك لا تعرف أن العالم وقتئذ وقف على رأسه ، لا أحد يطالبه بالفضيلة .. سيبدو مضحكاً من يفعل.. أن تعيش كيفما كان وبأية وسيلة هو أنتصار مرموق للفضيلة ، ص717 زمن الأشتباك
__  وبين وبين نفسي كنت أحسب أنني أعاني من مرض خطير يجعل الأشياء تبدو مختلفة عما تبدو فيه للآخرين ص 729 الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس  .
ومثل هذا كثير  .

 


جسر الى الأبد

محاولة التخلص من الشعور بالذنب
رافق معظم أبطال كنفاني شعور بالذنب لتركهم الوطن  وعدم الدفاع والتمسك به  حتى النهاية وكما يجب ، ويبدو هذا واضحاً في ( عائد الى حيفا ) ، وفي قصة ( البومة ) في سرير رقم 12 التي ذكرناها وكذلك في قصص أرض البرتقال الحزين وغيرها ، لقد شبه الكاتب الأرض فلسطين بالأم ، فرأينا حامد  يضع شفتيه على رمالها في النقب وكأنه يرضع من ثديها في (ما تبقى لكم ) ، ورأينا أبا قيس في رجال في الشمس  ينام فوقها ويشعر بحرارتها وأنفاسها ، وهي الأمرأة التي تحضر الطعام لسعد ورفاقه في رواية أم سعد عندما يدخلون الى فلسطين .  في مسرحية جسر الى الأبد ، تجري محاولة للتخلص من الشعور بالذنب ، وتحاول هذه المسرحية أثبات  أن ما حصل للأم  ( الوطن ) كان سيحصل لها حتى لو  بقي ( فارس ) هناك . فطيلة المسرحية يشعر البطل فارس بالذنب لأنه ترك أمه ( وسافر ) فماتت لعجزها .
رجاء فتاة مدللة وجميلة منحدرة من أسرة برجوازية عربية تكاد تدهسه بسيارتها وهو ماض في الشارع يفكر بالأنتحار ، لماذا !  لأن شبحاً أتاه في الليل وأخبره بأنه قتل أمه لأنه تركها وسافر ( نلاحظ هنا التناص بين فكرة الشبح وقتل الأم مع فكرة الشبح وقتل الوالد في مسرحية هاملت لشكسبير ) . ويقول له الشبح أن  عذابه سيستمر بسبب ذنبه الذي لا يغتفر وهو قتله لأمه ، عندما تنقله رجاء بسيارتها بعد ألحاح يخبرها أنه لا يتأثر من مثل هذا الجرح وفوراً يبرز لها كيف أن جرحه ألتأم بسرعة عجيبة ، ولكنه يحكي لها أنه قتل أمه . 
" رجاء برعب : قتلت أمك ؟ قتلت أمك ثم تجيء لتقول أنك أنسان مسكين ؟ ( بتردد ) قل لي هل قتلت أمك يا فارس ؟
_- فارس ( بهزء )     قتلتها أجل يا رجاء قتلتها .. قتلتها
__ رجاء : ( بغضب شديد ) أذن ما الذي تريدني أن أفعله من أجلك ؟ أنت أنما تتلقى جزاءك .. هذا كل شيء .
فارس ( كأنه يبكي ) جزاء ؟
( نلاحظ أن هذا موقف الأنظمة العربية من قضية الشعب الفلسطيني في تلك الفترة ، وهي تحميل الضحية مسؤولية ما حدث ، وقد تم التعبير عنه هنا بقتل فارس لأمه لأنه تركها وسافر ، بل أن رجاء الفتاة اللطيفة التي دهسته بسيارتها تقول له أن هذا جزاء قتلك لأمك )
بعد هذا يبدأ فارس ورجاء بعملية بحث عن هذه الأم لأنه لا مكان لقبرها ، وعندما ييأس ويتركها ويعود الى البيت تلحق به رجاء أبنة الطبيب والتي تصل الى المشرحة وتتعرف على جثة والدته لتخبره بأكتشافها
_ رجاء : أفتح يا فارس أفتح
_ فارس : أتيت مبكرة يا رجاء اليوم هل من جديد ؟
_ رجاء مثارة : أفتح عجل أفتح
_ فارس : لحظة واحدة لحظة واحدة سأصل الآن ، لحظة واحدة فقط .
( صوت أقدامه ثم صوت المزلاج يفتح )
_ رجاء شبه باكية ) : آه يا فارس .. أيها العزيز المسكين .. أنت لم تقتل أمك .. لم تقتلها !
_ فارس مذهولاً : لم أقتلها ؟
_ رجاء ( تصيح ) : أجل لم تقتلها يا فارس .. لم تقتلها
_ فارس ( كمن فقد رشده ) تعنين أنها ليست ميتة !
_ رجاء : لا لا ( تتردد ) أعني نعم نعم أنها ميتة طبعاً ، ولكنك لم تقتلها .
_ فارس ( منهاراً ) كيف أيتها الحمقاء الصغيرة ؟ كيف كيف ؟
_ رجاء : تلهث لقد ماتت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتك البيت ( تصمت هنيهة ) أنت قلت أنك غادرت البيت يوم الثلاثاء في الساعة الثامنة صباحاً . التقرير الطبي يقول أنها ماتت في الساعة الثامنة والنصف من نفس الصباح ،
_ فارس : هذا .. هذا لا يغير شيئاً
_ رجاء : كيف كيف لا يغير شيئاً أيها الأحمق .. كيف ؟
_ فارس : ماذا يغير ؟
__ رجاء : لقد ماتت قبل أن تغادر المدينة أنت .. كان من الممكن أن يحدث ذلك وأنت هناك .. ماتت دون أن تعرف أنك غادرت المدينة . كانت تشتري طعاماً للغذاء وكانت على وشك العودة الى البيت حين داهمها الموت في الطريق ..الخ ص269 المسرحيات . 
نلاحظ هنا أن رجاء تتتهم فارس  بالحمق لأنه أتهم نفسه بقتل أمه ، وأن موتة أمه كانت بدون تدخله ، أي أنها ماتت قبل أن يغادر المدينة وهذا يفرق كثيراً كما تقول هي ، لقد كان هذا الأنسان ( الفلسطيني ) الذي يحمل الشعور بالذنب تجاه أمه ( الوطن ) بحاجة لهذا الأعتراف من الحاكم العربي ، وحتى من الجماهير العربية في المناطق التي حل عليهم فيها لاجئاً ، لقد ذاق الفلسطيني الأمرين من تهمة (  = قتله لأمه = تركه لوطنه ) ، لقد جاءت ( رجاء )  لتقول لفارس ( أيها الأحمق كف عن تأنيب الضمير ! أنت لم تقتل أمك ) طبعاً هذا يختلف ، بين أن تكون قتلتها ، وبين أن تكون هي كانت ستموت حتى لو بقيت معها ، ( فلسطين ) كانت ستضيع سواء خرج منها الفلسطينيون أم لم يخرجوا بل كانوا سيموتون معها لأن خروجهم كان تحت ضغط كبير ، فعندما تحاول أم فارس أقناعه على عدم الرحيل وتركها يقول لها : سأغيب شهرين سأغيب شهرين فقط ولكنني سأنقذ نفسي وسأنقذك الى الأبد .. أنها فرصة العمر يا أمي فرصة العمر " ص65  ، وبهذا يحاول الكاتب التخفيف من وطأة عقدة الذنب التي لاحقت  الكثيرين من أبطاله ، بتركهم لوطنهم ( الأم )  فلسطين .     

 

السر في جاذبية أدب غسان

أن المهمة الأولى الملقاة على عاتق الكاتب هي أن يتمكن من جذب القارئ حتى النهاية ، فأن فشل فهذا فشل للقصة ، وكي يتمكن الكاتب من هذا لا بد من أن عناصر جمالية في البناء الأدبي هي التي ستقوم في بث المتعة والدهشة والأكتشاف في نفس القارئ كي يستمر أو أن يعود لقراءة العمل مرة  وأخرى  . وأذا كانت قوانين الرواية صعبة التحديد فأن للقصة القصيرة قوانينها المعروفة بها بعد بلورة تجارب وخبرات كتاب ونقاد من شعوب كثيرة وفي أزمنة مختلفة .
" الحكاية في القصة هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيباً سببياً ، تنتهي بنتيجة ، والحكاية لا بد أن تكون ثمرة تجربة أنسانية موضوعية ، وهذه التجربة العميقة تستلزم صدق الواقع بسياق الأحداث على طريقته المقنعة واقعياً وفنياً ".مدارس النقد الأدبي الحديث ص303 دكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، " ولا بد أن تكون الحكاية في القصة ذات وحدة عضوية كالوحدة العضوية في القصيدة وفي المسرحية " " وقد تبدأ القصة بأولى الحوادث فيها وقد تبدأ بنهايتها وقد تبدأ بالذروة " " أما تدخل المؤلف تدخلاً بارزاً في الحوار بالشرح أو التعليل مستقلاً في ذلك عن الحوار والحديث النفسي فذلك معيب ." " أختيار الشخصيات التي تؤدي الأحداث على الطبيعة ثم اختيار الزمان والمكان المناسبين لوقوع الحدث من الشخصيات ثم ألأسلوب الذي تسرد به الحادثة كل ذلك له مكان في العمل الفني في القصة " والقصة تحدث لتؤكد فكرة وغاية ، والفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة " هذه بأيجاز كما جاء تعريفها في المصدر السابق ، وهو خلاصة نقد لمدارس أدبية متعددة ، سنتناول قضية الجمال في قصص غسان ، فبالأضافة لما سبق وذكرنا حول ما يمكن أن نسميه نسق أو أتجاه غسان كنفاني الكتابي والذي اجتمعت فيه العوامل التي فصلناها ، فقد كان فناناً حقيقياً ، فهو وقبل كل شيء فنان ومبدع ، علماً أن الجمال الفني من الصعب تحديده بدقة ، فأنت أمام الجمال تقف صامتاً أحياناً أو تعبر بكملة الله ما أروع هذا .. أوتتنفس الصعداء وقد ويعبر كل شخص عن أنفعاله بطريقته ، وقد تقرأ قصة فتسرع لتحكيها بأقرب فرصة لصديقك أو تنشرها أذا كنت مسؤولاً عن زاوية أدبية في صحيفة ،  ولكنك لا تفهم بالضبط ما هو الذي جعل عقلك يعلن رضاه ونفسك عن أرتياحها لهذا الشيء الذي يهز مشاعرك .
ولعل البداية في القصة أو الرواية لها أثر حاسم على نفس القارئ بأن يستمر أو أن ينكص عن القراءة  لذلك فأن للبداية أهمية كبيرة  ، وسنأخذ بعض البدايات في قصص كنفاني  ونشير الى قوة الجذب فيها  ،  قصة المنزلق من مجموعة عالم ليس لنا ص472 ،ما هو السر الذي يجعل قصة كهذه جذابة ، ويتمسك القارئ بها حتى نهايتها ؟
" الكتابة الجيدة هي ما يمر فيها الفكر بالأحساس والأحساس بالفكر ، حتى ليصح أن يقال أن الكاتب الجيد يفكر ويحس بعقله ." محمد مندور في الأدب والنقد ص37
        بداية  قصة المنزلق ( القصص )
 " سار الأستاذ محسن في الممر الطويل المؤدي الى صفه بخطوات بطيئة مترددة ، كانت تلك هي تجربته الأولى في عالم التدريس ، " نلاحظ أن الخطوات بطيئة ومترددة وهي تنسجم مع كون المدرس جديداً في مهنة التدريس ، لكونه جديداً لديه تردد فهو لا يعرف الطلاب بعد وليس واثقاً من نفسه تماماً ، ثم يتم دعم هذه الفكرة بالجملة التي تليها " ولما كان لا يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل حين يدخل الصف فقد حاول جهده أن يبعد تلك اللحظة قدر الأمكان " أذاً فالجمل هنا دعمت واحدة الأخرى وجميعها تصب في صالح الفكرة ، وتردده في الجملة الأولى كي يبعد لحظة وقوفه امام الطلاب ، وكون هذه الفكرة هي جزء من منظومة أفكار وأحاسيس ستدعم الفكرة الكبيرة في القصة . نمضي في القصة " في الليلة الماضية تقلب على فراشه حتى الصباح وهو يفكر في الأمر : أن من العسير على المرء أن يقف أمام الناس ولماذا ؟ ليعلمهم ! ومن أنت لتفعل ذلك ؟ لقد عشت حياتك البائسة دون أن يعلمك أنسان أي شيء ينفعك ، أتعتقد أنه بوسعك أن تعلم الناس ما ينفعهم ، أنت نفسك آمنت بأن المدرسة هي آخر مكان يتعلم فيه الرجل الحياة ، فما بالك الآن وقد صرت مدرساً فيها ؟"  أذاً فالعودة الى ليلة أمس دعمت الفكرة الأولى ( التردد ) وأضيفت أفكار أخرى ثانوية في مصب منظومة الأفكار التي ستشكل في مجموعها  الفكرة الكبيرة التي ستبدأ بالتبلور ، فالأستاذ محسن قلق وتقلب في فراشه ، أذاً منذ ليلة الأمس ويسأل نفسه ماذا يمكن للمدرسة أن تعلم ، فهو مقتنع أن المدرسة آخر مكان يمكن للأنسان أن يتعلم فيه ، وبهذه الفكرة يهيء الكاتب الأرضية لما سيحصل خلال الدرس ،فهو عملياً وضع نظرية وفكرة معينة وعلى القصة الان أن تبرر هذه الفكرة أو أن تضحضها ونمضي في القصة " في الصباح حملت نفسك الى غرفة المدير وجلست هناك تستمع الى بقية الأساتذة وهم يناقشون الأمر الذي شغلك ولكن من زاوية أخرى .. ماذا عسانا نفعل في الصفوف أذا كان الصغار دون كتب ؟ " أذاً فالصغار بدون كتب ، أي أنهم فقراء وهذه مشكلة يتشاور بها المعلمون ، وهنا يعدنا الكاتب لما هو آت فالصف أذاً يحوي طلاباً فقراء ، وهو معلم جديد متردد ، والمدرسة آخر مكان لتعلم الحياة فما الذي سيحصل ؟ " وأجاب المدير من أنفه بأختصار : أي أستاذ قدير يعرف كيف يشغل حصته دون كتب " .أذاً فقد تحدث المدير من أنفه كتعبير عن موقعه الأداري الفوقي  ، وكل ما قلناه حتى الآن يدعم فكرة التردد ، فهو أستاذ جديد ، والطلاب بدون كتب ، وهو قانع أن المدرسة آخر مكان يمكن أن يتعلم فيه الأنسان ، والمدير يتحدث من أنفه ، ونتقدم " ثم أنكفأ شارحاً ( المدير ) بلؤم : تطلب من أحد الأطفال أن يشغل الحصة عنك أذا عجزت .. "
قال الأستاذ محسن لنفسه : " ها هو ذا مدير المدرسة يريد أن يلقن أساتذته درساً بالأنتظام والطاعة منذ اللحظة الأولى لقد قبض الأقساط قبل أسبوع وعليه الآن أن يقبض أرواحنا " المدير يتحدث من أنفه ثم تحدث بلؤم للمعلمين مبرراً حديثه من أنفه ، وتكررت هنا كلمة قبض لينزاح معناها الأول عن معناها الثاني  _ فهو قبض المال ولم يبق سوى أن يقبض أرواحنا فلفظة القبض نفسها أتت بدلالتين مختلفتين فأعطت للجملة جمالاً ونكهة ،ونمضي  ..." الممر الطويل مملوء بصخب الأطفال وصياحهم ، والأستاذ محسن بخطواته الثقيلة يحس بأنه أنما يسير في دوامة تؤدي الى مستقبل قميء مترع بالضجة والسخف .. الضجة والسخف وليس غيرهما ! " هذه الجملة الأخيرة تشي بعبثية الفضاء الذي ستحدث فيه القصة ، والقارئ يستعد نفسياً لما هو آت ، السخف والقماءة .  
"__   لدي قصة جميلة يا أستاذ
صاح طفل كان مكوماً على نفسه في آخر مقعد فقدم حلاً ملائماً لذلك الموقف المضطرب ،" نلاحظ هنا كلمة ( مكوماً ) وهذه الكلمة تستخدم لشيء رخيص وعادة لا يكون أنساناً ، فهو قد يكون كيساً أو قماشاً أو أي شيء بعيد عن كونه يحمل صفة أنسانية ، لقد أوحت كلمة ( مكوماً ) للقارئ أن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين ، ومنحه صفة ( التكوم ) أمعاناً في دقة الأحساس بأن هذا الطفل ليس كالأطفال العاديين . ولكن الطفل بأعلانه هذا قدم حلاً لموقف الأستاذ المضطرب ، أذاً فكل الأحداث حتى الآن تسير  في نسق واحد ومقنع لم تشُبْه حتى الآن فكرة أو حالة غريبة عن المشهد العام ، هذا الأسلوب يجعل القارئ يركز أكثر في النص والتركيز نفسه يعني أن القارئ أصبح منجذباً يقترب من مركز القصة وبؤرتها أو ذروتها ، و" قبل أن يوافق الأستاذ على الأقتراح كان الطفل قد صار خارج صفوف المقاعد ، وواجه رفاقه ببنطال قصير أوسع من حجمه وقميص ذي قماش نسائي عتيق ، وشعر أسود غزير يصل متهدلاً الى حاجبيه " . أذاً فالطفل لم ينتظر موافقة الأستاذ ، وهذا يضيف للمشهد ويغنيه ، فهو مكوم وفقير وجريء بنفس الوقت ، ولباسه وشعره المتهدل على حاجبيه والقماش النسائي لقميصه يؤكد  بؤسه ويبرر وصفه ( مكوماً ) ، كل هذا يؤثث المشهد ويلونه  ، ويبرر ما قيل في غرفة المدير بالنسبة لعدم وجود كتب مع الطلاب . وهكذا فأن الأجواء كلها الآن مهيأة للقصة ، وكأن كل هذه الأفكار والحركات تدور حول بؤرة واحدة هي الحدث الذي بتنا ننتظره . أو كأنها الجداول الصغيرة الكثيرة التي تصب في مجرى واحد لتجعل منه نهراً  فالنهر هو الجداول الصغيرة مجتمعة .  " كان والدي رجلاً طيباً .. كان شعره شائباً ، وكانت له عين واحدة أما عينه الأخرى فقد أقتلعها بنفسه حين كان يخيط نعلاً سميكاً لحذاء رجل ضخم ، لقد كان مكباً على الحذاء يحاول جاهداً أن يدخل الأبرة الكبيرة في النعل ، ألا أن النعل كان قاسياً جداً ضغط كل ما في وسعه ، بلا فائدة ، ضغط أكثر ، لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره وضغط بكل قوته فخرجت الأبرة فجأة من الناحية الأخرى ودخلت في عينه .. "  هذه القطعة عبارة عن لوحة فنية رائعة متكاملة ، وكأن كل جملة فيها لون في لوحة تدرجت هذه الألوان من الفاتح الى الأغمق ، لقد نقل لنا الصورة مع الحركة وكأننا نشاهد ونحس ، فالتعابير  رشيقة خالية تماماً من الألفاظ الميتة المصطنعة ، وكل كلمة في محلها ، ولو أختزلنا منها لحدث نقص فيما أراد قوله الكاتب ، فكلمة ( شائباً ) لمحت لنا الى صورة وشكل  وسن والد الطفل  ، والضغط المستمر له ما يبرره فالنعل قاس جداً وضخم وكي نحصل على النتيجة أي خروج الأبرة الى عينه ، جعله يتدرج بالضغط وكما ذكرت وكأنها الألوان من الفاتح للغامق فالأغمق ، أولاً  يضغط جاهداً ، ثم ضغط كل ما في وسعه ، ثم ضغط أكثر لا فائدة ، ثم رفع الحذاء الى صدره .. أي أنه أستعان بصدره أيضاً للضغط ، لقد أقترب الحذاء من وجهه استعداداً للضغط بكل قوته وحينئذ خرجت الأبرة ودخلت في عينه ، لقد سبقت مرحلة دخول الأبرة الى العين خمس مراحل كلها دفعت بأتجاه النتيجة التي صارت منطقية ومعقولة ، وتستمر القصة ونجد أنفسنا مضطرين لمعرفة ما ستنتهي اليه قصة هذا الطفل البائس أبن هذا الرجل البائس .

 

بداية قصة علبة زجاج واحدة ( القصص )

"كنا نعيش كفئران التجارب ، في علبة زجاج نظيف : نأكل جيداً وننام جيداً نذهب الى البحر أحياناً فنغسل ضجرنا بالماء والشمس .. ونعود الى علبة الزجاج .. لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة .. وهذه كانت مشكلتنا .." ص481
أنه يصدمك منذ الجملة الأولى ، فكيف للأنسان أن يشعر أنه يعيش كفئران التجارب ألا أذا كان يمر بتجربة قاسية جداً ولا أنسانية ، وكأن الكاتب هنا أمسك بتلابيبك فجأة وجذبك اليه ، وبدون لف ولا دوران وبجملة واحدة رشيقة لفت أنتباهك لما يحدث وأستفز مشاعرك ، لقد أوحت فئران التجارب لك بأمر قاس قذر مقزز ، وأوحت أن هؤلاء الناس في وضع صعب جداً ، أو في حالة أنسانية شاذة ،  فأنت الآن تريد أن تعرف لماذا حكم الراوي على حياته هذا الحكم ، وما هو سبب هذا الشعور العميق بالأهانة ، وقد أختار توصيفاً دقيقاً لحالته وحالة من معه  . وبعد بضع كلمات تعرف السبب .." لقد أعطونا كل شيء ألا المرأة ". أذاً فهذا سبب شعوره وكأنه فأر تجارب ، الحرمان من المرأة لفترة طويلة ، الحرمان من شيء من طبيعة الأنسان ، أما لماذا علبة زجاج نظيفة ! فالزجاج له صفة الشفافية ، فأنت قد ترى ما وراءه لكنك عاجز عن لمس هذه الأشياء  والحصول عليها فالنساء يتحركن وهن موجودات لكنك معزول عنهن وكأنك في علبة زجاج  ، وبنفس الوقت أنت مراقب من الخارج وتصرفاتك كلها واضحة أمام الآخرين كأنك فأر تجارب ، وهذا يسبب لك الشعور بالحرمان أكثر وأكثر ، والعلب أوحت بالسجن ولكنه ليس سجناً عادياً ، أنهم طلقاء بمعنى أنهم يستطيعون الخروج للطعام والمشي ولكنهم ما زالوا يحملون شعور المسجونين ،   في هذه العلب الزجاجية النظيفة ، وبلا شك هي أماكن العمل والسكن في دولة خليجية   .  وكي يجعل القارئ يعيش معه هذا الحرمان ، قال " في الشهر الأول صرنا نشتري المجلات الملونة العارية ، في الشهر الثاني لم نجد حرجاً يمنعنا من تعليقها في صدور غرفنا ., في الشهر الثالث مزيداً من الصور .. وفي الشهر الرابع مزقناها ، كان الأحتمال قد وصل حلوقنا ، وانسكب من هناك غضباً مروعاً ". نلاحظ هنا تركيز الجمل التي تصب الى البؤرة ذاتها وكأنها دوائر حوام تدور حول مركز واحد تعززه ، أو كما سبق وقلت كأنها الألوان من الفاتح للأغمق ، أو الأوركسترا التي يلتقي فيها عدد من الآلات لتصنع لحناً واحداً متناسقاً . لم يعد الوضع يطاق وصاروا يغضبون بسرعة وبشكل مروع فمزقوا الصور . " بعد عام أطلقونا من العلب الزجاجية ". لقد استعمل كلمة أطلقونا ليؤكد أيحاءه وكأنهم كانوا مسجونين بالفعل .  والآن عزيزي القارئ فأنت تريد أن تعرف ما الذي فعله أبطال هذه القصة بعد أن أطلق سراحهم بعد هذا الشعور بالحرمان المرير ، بالتأكيد سيبحثون عن الأمر الذي حرموا منه ( المرأة ) ، وما عليك الآن سوى متابعة القصة بشوق لمعرفة ماذا عساهم يفعلون .              
يقول غسان كنفاني في أحدى المقابلات الصحفية التي أجراها معه كاتب سويسري  قبل أستشهاده بأسابيع حول أدبه " أن فلسطين تمثل العالم برمته في قصصي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي ص 43 
ويضيف كنفاني في المقابلة نفسها " ففي وسع الناقد الأدبي الآن أن يلاحظ بأن قصصي لا تتناول الفرد الفلسطيني فحسب ، بل تتناول حالة أنسانية لأنسان يقاسي من المشاكل أياها ،لكن ربما كانت تلك المشاكل أكثر تبلوراً في حياة الفلسطيني " ص 44 المصدر نفسه . ولم يكن كنفاني بحاجة لتأكيد هذه الحقيقة بأن أدبه أنما يمثل حالات أنسانية لكن هذه الحالات أكثر كثافة عند الفلسطيني ، فالشعور بالعزلة والأغتراب والتهميش يرافق أناساً عاديين في أوطانهم أيضاً وبدون أن يشردوا من بيوتهم ويقتلوا كما هو حال الفلسطيني  ، ولكن غربتهم لا تكون بنفس الحدة المركبة كما سبق وذكرنا ، فالحالة الفلسطينية تضفي على الحالة الأنسانية بعداً أعمق لأنها أكثر تعقيداً  ، ولنأخذ مثالاً قصة ( عطش الأفعى ) وهي قصة أسرة يعتاش معيلها من قرع الطبلة في الأفراح وبالتحديد خلال زفة العريس ،وهو يصر أن يعلم أبنه مهنة قرع الطبلة التي ورثها بدوره عن والده وجده ،كي  يضمن أستمرار هذه المهنة في الأسرة ومصدر معيشتها ،   ولكن الناس صاروا ينقلون العريس بالسيارات أثناء الزفة وأستغنوا  عن الزفة التقليدية وبالتالي عن الطبلة والطبال الأمر الذي يعني نهاية مصدر دخل الأسرة ، وتعبيراً عن أحباطه يقوم الوالد بمهاجمة سيارة جاءت لنقل عريس أثناء الزفة في الحارة ويحطم زجاجها ،ومنذ تلك الحادثة تطارد هذه السيارة أبن الطبال الى أن تدهسه كأنتقام من والده الطبال  . ليس في هذه القصة أية أشارة على أن بطلها فلسطيني ، وهي قد تحدث لأسرة لبنانية أو سورية أو مصرية أو لأسرة في أي بلد من بلدان العالم وخصوصاً العالم الثالث  ، هذه القصة عالجت قضية أنسانية بمفهومها الواسع ، السيارات التي تمثل التكنولوجيا الحديثة أدت الى أنهيار عالم أسرة تعتاش من  مهنة ( بدائية ) قرع الطبلة في زفة عريس تقليدية بدائية ، ولكن الناس في عصر السرعة صاروا يتحدثون عن أن الزفة في السيارة أكثر راحة لهم ، وأنهم ما عادوا يرغبون بالمشي المتعب في الأزقة كي يزفوا العريس ، ويحاول الوالد أن يقاوم هجوم التكنولوجيا لكن هذا التطور يمضي دون أكتراث بمصيره ومصير أسرته التي فقدت مصدر معيشتها لتكون ضحية هذا التقدم الذي لا مفر منه ، أنها قصة أنسانية  ولكنها سوف تتكثف أذا عرفنا أن هذه الأسرة فلسطينية تعيش في لبنان مثلاً ، والقارئ لغسان كنفاني لا بد سيشعر بذلك بدون أن يصرح الكاتب بجنسية الأسرة ، سوف تتكثف في حالة الفلسطيني  لماذا ؟ لأنه ليس من السهل أبداً لأسرة فلسطينية أن تجد عملاً بديلاً في دولة مثل لبنان ، الأمر الذي سيضاعف الضرر المترتب على أنقراض مهنة الطبال الذي سيعاني من البطالة ، الى جانب حقيقة أن أبنه الذي دهس لن يكون مؤمناً صحياً ( كلاجئ ) وسيكون وضع الأسرة أكثر مأساوية  وربما حل بها الدمار والخراب تماماً نتيجة لما حصل ، فالمأساة الأنسانية هنا تضاعفت وتكثفت مرات ومرات ، فالفلسطيني ليست لديه  دولة تمنحه عملاً بديلاً وما من قانون يحميه ، هذا يعني أنهيار عالمه .     
 

شعر في رداء نثري 

" وليس من شك في أن للنثر وزناً وأيقاعاً كما هو الحال في الشعر وأن كان أخفى وأقل أطرادا ولقد درست أوزان النثر في أوروبا كما درست أوزان الشعر تماماً " محمد مندور في الأدب والنقد ص 30 . بالأضافة لعناصرالجذب والجمالية التي تمتاز بها كتابة كنفاني  ، نلاحظ المشاعر القوية المتدفقة في نثره الذي يحمل كثيراً من خصائص الشعر ، حتى يرتقي نثره الى مستوى الشعر في بعض الأحيان ، وكأنه شعر يرتدي رداء النثر .
سنأخذ بعض الأمثلة لهذا الرأي ، نبدأ في قصة العطش من مجموعة السرير رقم 12 . ص183 
"آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب ! الى أين ؟ هذا لا يهم .. فقط لو يستطيع
أن يذهب .. دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير .. النغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل الى صدره .. أنه يلمس جلده البارد ثم يرتد ليلتصق بالجدار .. كيف استطاع أن يعتقد _ في يوم مضى _ أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟ " 
هذه القصة تحكي عن رجل يعيش في حالة أغتراب تام لا يجد من يتحدث معه ، يحاول قتل هذه العزلة بسماع أسطوانة لكنه قد مل هذه الأسطوانة منذ سنوات ، وبشرب عشرة فناجين من القهوة ولكن عندما يأتي ليشرب الماء يكتشف أن لا ماء في الصنبور فقد أنقطعت المياه ، فتزداد عزلته وغربته وينام ،. وتنتهي القصة هكذا " غداً أيها الأنسان الكئيب لن تكون سعيداً ، الأنسان الذي سوف تجلس معه لن تسمع كلمة من كلماته .. أنت تبحث عنه فقط كي تقول له ، كأنك تحكي شيئاً عابراً : " أمس أنقطع الماء عن منزلي ".
 سوف نركز حول شعرية النص .فلو أعدنا ترتيب القطعة الأولى من القصة بأن نقطعها الى مقاطع كما يفعل الشعراء لصارت كالتالي :
آه لو يستطيع الرجل الكئيب أن يذهب !
الى أين ؟
هذا لا يهم ..
فقط لو يستطيع أن يذهب ..
دار في مربع من الجدران دون غاية
ثم سقط فوق السرير ..
النغم الباكي من الأسطوانة
لم يعد يصل الى صدره ..
أنه يلمس جلده البارد
ثم يرتد ليلتصق بالجدار ..
كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى )
أن النغم هو كل شيء؟
كيف ؟
     أنها نفحات  شعرية بلا شك ، أليس في هذا معان وحركة خفية تشبه تلك الأشعار العالمية المترجمة الى العربية لكبار شعراء التشاؤم والأغتراب ! فهو يتأوه ، آه لو يستطيع أن يذهب ! لكن هو ليس سجيناً فبأمكانه أن يذهب ولكن الى أين ! فهو سجين نفسه ، دار في مربع الجدران دون غاية ، ثم سقط فوق السرير ، لقد وصف الكاتب حياة هذا الرجل وكأنها خواء بلا هدف فسقط فوق السرير وتحول الى جثة ،  فالنغم الباكي من الأسطوانة لم يعد يصل صدره ، أي لم يعد يدخل الى قلبه فمشاعره ، يلامس جلده ويرتد ، لقد تحول هذا الأنسان الى كائن أصم كالجماد حتى موجات الصوت  صارت تلمس جلده البارد وترتد دون أن تدخل أو تنحدر الى داخله  . ويتساءل كيف أستطاع أن يعتقد ( في يوم مضى ) أن النغم هو كل شيء ؟ كيف ؟
أذاً فالرجل الكئيب كان في يوم ما متفائلاً وكان يعتقد أن النغم ( الحياة ) هو كل شيء والآن يتساءل بمرارة وأحباط كيف فكر ذلك التفكير ، لقد قتلته العزلة والأكتئاب وغيرت رأيه في الحياة برمتها ، فالنغم ( الحياة ) لم يعد يصل بل يرتد عنه وكأنه تحول الى جماد فاقد الأحاسيس بسبب عزلته ، لقد أعطى كنفاني واقع العزلة والكآبة ( صورة أشد دقة مما كان يعطى بها سابقاً )كما يقول كولن ولسون في المعقول واللامعقول عن غاية الأدب عند نتالي ساروت وروب غرييه ) ص 102 المعقول واللامعقول  ، وهذا أحد أسرار نجاح كنفاني كما سلف وقلنا ، أنه يقدم الواقع بصورة أكثر دقة مما كان يعطى سابقاً . 
فاذا مضينا في القصة نفسها سنجد أن هذا الأيقاع سيستمر حتى نهاية القصة وسوف يعود على التأكيد أنه تحول الى شيء جامد .
في يوم مضى
يبدو أن الماضي
كان لأنسان آخر
أما هو ! آه !
أنه يحمل الجدران الأربعة
على كتفيه منذ ولد
يحملها أينما ذهب
حتى حينما يضحك
فلسانه الخشن
يجري فوق الجدار
منذ متى !
وهو يحمل هذه الجدران ؟
ليس يدري ،
ربما قبل أن يولد
ربما الان فقط
نهض عن السرير
وأدار ..مفتاح الراديو
الصوت يدوي الآن في الغرفة
 زاعقاً كمليون بومة كئيبة
ورغم ذلك فأنه ما زال يلمس جلده
ثم يرتد الى الجدار
    ****
ويمضي غسان الناثر في قصته الشعرية فيقول :
" صوت البوق شيء  فاجع !
ورغم ذلك فأنه ليس هنا
كأن صدرك صفائح قصدير
يضربها الصوت ويرتد مرناً
كشيء تافه
الى الجدار
 *** **
أمس قام الرجل الكئيب ليشرب
وحينما فتح الصنبور
خرخر صوت عميق
ولم تنزل أية قطرة
كان العطش يمسك باصابعه
 الغليظة الجافة حلقه
كيف يشرب ؟
شيء سخيف
ولكنه يريد أن يشرب
ثم صحا في منتصف الليل
أشد عطشاً
لو كان في الغرفة أنسان آخر
لقال له متأففاً :
أريد أن أشرب
ليس المهم أن تشرب !
المهم أن تجد  من تقول له
أنك تريد أن تشرب ..
أنك ظامئ ..
أكان من الضروري أن يحدث هذا
لتكتشف
أنك أنسان ملقى في الفراغ ؟
 ****
 هذا النثر يتفوق بشاعريته على كثير مما نقرأ ونسمع يومياً من شعر حتى لشعراء يعتبرون من الصفوف  الأولى ، وأن كنا لا نحاسب النثر كما نحاسب الشعر على الوزن والتفعيلة ولكن من الواضح أن الشحنات الشعرية كثيفة في نص كهذا ، مثل هذه الشعرية  نجد في قصص كثيرة ،  .
من قصة المجنون
أقرفص هنا منذ لم أعد كلباً صغيراً ، هذا المكان لي ، ليس من أنسان يقرفص فيه سواي ، أن أحداً لم يجده حتى الآن .. آتي اليه في الصبح ، وأظل مقرفصاً حتى تسقط الشمس ، وراء سطح بيت الولد الأشقر .. يأتي الولد الأشقر ، يمشي ببطء على رؤوس أصابعه ، أراه من طرف عيني ، لا أدعه يراني أبداً ، يصل الى المنعطف ، يضع الطعام ، ويركض الى درج بيته . يفتح الباب ويبقى ينظر الي حتى أقوم فآخذ الأكل وأرجع الى مكاني مسرعاً فيصيح : متى ستصبح كلباً مرة أخرى ؟ ص189
من قصة لؤلؤ في الطريق :
ولكن الغرفة بمن فيها بقيت صامتة كما كانت ،كان صمتاً من ذلك الطراز الذي يحتار الأنسان في تفسيره : أنصمت يا ترى ، لأننا ودعنا عاماً حافلاً بالعذاب ؟ أم لأننا سوف نستقبل عاماً آخر لا يبدو أقل عذاباً ؟ ام للأمرين معاً ؟ ص 155 
  من قصة الأخضر والأحمر :
لم يكن يظن لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب أنفه من الهواء .. لم يكن يظن ذلك قط .. كل الطريق كانت تعبق بحياة بكر كأنها خلقت لتوها ، كأن الله صنعها الآن فحسب ليتنشقها ، وليتركها تغسل صدره مثل شلال من الريش .. أيار يبرعم في جبينه وكفيه وأضلاعه ويشمه فينهال الى صدره دوامات لا تنضب ولا تنثني .. كيف تريده أن يظن ، لحظة واحدة ، أنه قريب من الموت قرب الهواء الى أنفه ؟ ولكنه كان قريباً منه ، كان قريبا منه دون أن يحسه أو يشمه .. لم تكن عنده مقدرة شم الموت كما كانت عنده قدرة أحساس الحياة .. وقالوا له مرة أن هذا خطأ مهلك ، وأن الحياة لا قيمة لها قط ان لم تكن ، دائماً ، واقفة قبالة الموت . الخ هكذا وبهذا الأسلوب السلس الشعري تستمر القصة . هكذا فأن عناصر عدة تضافرت لتجعل من كتابة غسان قوية ومتينة وجذابة ، المضمون الأنساني العميق الى جانب المستوى الفني الرائع الأصيل . تقرأ غسان ولا تشبع وفي كل مرة ستكتشف أشياء جديدة . 

  *****


النهايات الكئيبة و التشاؤمية

معظم نهايات القصص عند غسان تنتهي بالكآبة أو بجملة تشاؤمية وربما فلسفية ، وهو وأن كان يريد تغيير الواقع من خلال أدبه ألا أنه لم يكن يصطنع نهايات متفائلة غير منسجمة مع الواقع أو مسقطة على النص أسقاطاً كما يحدث عادة مع الأدباء (الثوريين ) الذين يرغمون بطلهم على التفاؤل حتى وهو يشاهد الهزيمة والضياع والموت ،فالنهايات عنده تأتي طبيعية متناغمة مع السياق ومع البداية ، لنبدأ ببعض الأمثلة من مجموعة عالم ليس لنا فجميع قصص هذه المجموعة تنتهي بالتشاؤم .
__  وهز أخي الكبير رأسه ببطء وواصل التحديق الى الطير الصغير عاقداً حاجبيه بأمعان ، ثم أنفكت أسنانه عن جملة واحدة : أنه يحتضر . جدران من حديد ص 421
__ وعلى الضوء الشاحب لعود الثقاب رأيت وجهه كما كان دائماً : هزيلاً قاسياً بارداً ، وتحركت شفتاه : ذهب ليموت عند أهله .. الغزلان تحب أن تموت عند أهلها .. الصقور لا يهمها أين تموت ! الصقر ص 436
__  وفجأة حدث ذلك الشيء مرة أخرى : شعرت بسعادة مفاجئة ، وضعت كفي في جيبي ، وهززت رأسي وأنا أبتسم وأسارع خطوي : " كلا .. أبراهيم لم يعد من كفر المنجم بعد .. " كفر المنجم ص 446 ، تبدو هذه النهاية متفائلة ولكن الحديث يدور عن طالب فشل في أمتحانات النهائي في المدرسة  وأنتحر ، وصديقه  هنا يتخيل أنه سافر الى بلد يدعى كفر المنجم والتقاه في مقهى لكنه في الحقيقة لم يعد .
__  كان الدم يسيل لامعاً قانياً خلال الشعر الناصع البياض فيما كان القط الرضيع ماضياً بامتصاصه بنهم وبصوت مسموع . ص458 ذراعه وكفه وأصابعه
__ تابعت طريقي تحت القيظ والشمس الساطعة التي لا تطاق .. تكسي ؟ أتراه كان قادراً على حملي عبر الأمتار العشرة التي مشيتها الآن ؟ تكسي ؟ كلا أن هذا لن يصلح العالم قط ! عشرة أمتار فقط ص 467
__  ولما حاول أن يقوم لم يستطع كان مثبتاً الى السندان بأحكام ، ولقد رفض المارة أن يساعدوه ، وبقي ملصوقاً هناك الى أن مات .. نظر المدير الى ألأستاذ محسن من جديد وكان واقفا هناك الى جانب الطفل ، ملتصقين ببعضهما كأنهما شيء واحد وهز رأسه مراراً دون أن يقول شيئاً ، ثم عاد فجلس في كرسيه الجلدي الوثير وأخذ يراجع أوراقه كان يرمق الأستاذ محسن والطفل بطرفي عينيه بين الفينة والأخرى . المنزلق ص477
__  يا صديقي .. تقول علب زجاج ؟ أنها علبة زجاج واحدة كبيرة .. نحن نتحرك داخلها ولكننا لا نغادر .. نحن ننتقل من طابق الى آخر .. ولكننا لا نغادر . علبة زجاج واحدة ص494
__  تسللت الأفعى السوداء بطيئة قاسية كريهة ، وغاصت في بحيرة الدم الصغيرة ، ثم أخذت تلعق الشراب الأحمر بلسان رفيع طويل . عطش الأفعى ص 508
__  سلمت الجراحة لذلك الطبيب الثرثار الفضولي بملء أرادتي ، لمجرد أن هذيان المريض قد آلمني .. أيكون قد قتله بأهماله وانصرافه الى الأستماع ؟ أذا كان قد فعل فالقاتل أنا . كان بوسعي أن أجري العملية على أكمل وجه ، ورغم أنف العجوز المسكين ! ما الذي أرتكبته أيها الغبي ؟
وقف هنيهة ، ثم أستدار وأخذ يركض عائداً الى المستشفى . كانت الشمس قد بدأت تشرق ، وكان يقرع بلاط الشارع المبلول بقديمه الكبيرتين فيرجع الصدى وكأنه خبب حصان . لو كنت حصاناً ص 522
__  ولقد شوهد آخر مرة يمشي في الشارع العام ، كان يطوي كفيه خلف ظهره وكانت السيارات تمرق حواليه بجنون وهوس ولكنه كان يمشي بهدوء ، وكان واحدهما _ هو أو السيارات _ غير موجود . ص533 المجنون
__ ورغم ذلك فقد كانت تبدو بعيدة جداً بالنسبة للقطة البيضاء التي كانت تقاوم الغرق بصخب وجنون ، فيما بدأت الأجواء تقصف بالرعد . ص545 الشاطئ
في قصة قتيل في الموصل وهي من مجموعة أرض البرتقال الحزين تنتهي القصة بهجوم الجراد الى السهول الخضراء " وصلت في تلك اللحظة جرادة حطت على الصخرة أمامنا .. ومد صاحبي كفه كي يلتقطها ، ولكنها طارت بأندفاع مفاجئ متجهة بأصرار فتي نحو المزارع الخضراء الممتدة خلف الرصيف .. ص 391 .
طبعاً كما وسبق وقلنا في بداية هذه الدراسة ، أننا لا نريد أن نفرض نظرية ما على جميع أنتاج الكاتب فهنالك أيضاً القصص التي تنتهي بالتفاؤل ولكنها قليلة ، في رواية رجال في الشمس تنتهي بالتساؤل لماذا لم يقرعوا الخزان وفي رواية ما تبقى لكم تنتهي بأصرار حامد  على المضي نحو أمه ، أما رواية عائد الى حيفا فتنتهي بالتمني بأن يكون خالد قد أنضم الى المقاومة ، بينما نهاية أم سعد وهي آخر رواية كاملة له فتنتهي  بأنضمام سعيد الى المقاومة وبالتفاؤل لأن عقلة العنب قد برعمت . ألا أن الأجواء العامة لكنفاني هي واقع تعيس كئيب ومتشائم ، رغم كل ما كان يحمله من ثورية وأرادة لتغيير هذا الواقع الذي للأسف لم يتغير حتى اليوم .ويبقى غسان علامة هامة جداً في الأدب الفلسطيني والعربي والأنساني ، وستبقى اعماله الأدبية خالدة أبد الدهر كخلود شعب فلسطين ، وسوف تكون ينبوعاً  يروي ظمأ الأجيال القادمة للفن الرفيع والحس الأنساني المرهف ، وكما عجزت آلة الحرب الصهيونية والأمريكية عن ابادة الحلم الفلسطيني بالحرية هكذا تقف آلة الأرهاب الصهيوني عاجزة عن أبادة غسان كنفاني وأن مزقت جسده فروحه ما زالت وستبقى تقرع جدران الخزان مرفرفة مع سعد في الأغوار ومع الرجال والبنادق في جبال النار ومداخل غزة وفي كل ساحات الكفاح ، وكيفما وليت وجهك في فلسطين لا بد وأن تشم رائحة البرتقال الحزين .    
 

المراجع

1 _ الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الأحتلال . غسان كنفاني .
 2 _ الأعمال الكاملة لغسان كنفاني ( القصص – الروايات - ) مؤسسة الأبحاث العربية
3 _ رواية أم سعد  مؤسسة الأسوار عكا . 
4 _  مسرحية جسر الى الأبد الأسوار عكا
5 _ الأم مسرحية لبريخت
6 _ الأم مسرحية لغوركي
7 _ الحرب في بر مصر ليوسف القعيد
8 _ في الأدب والنقد للدكتور محمد مندور
9 _ رواية عائد الى حيفا دار نشر صلاح الدين القدس
10 _ الروائي وبطله مقاربة اللاشعور في الرواية العربية ، جورج طرابيشي
11 _ فن الرواية العربية . د يمنى العيد ،
12 _ مدارس النقد الأدبي الحديث د ، محمد عبد المنعم الخفاجي
14 _ فصول في علم الجمال  عبد الرؤوف برجاوي ، دار الآفاق الجديدة .
15 _ النقد الروائي والأيديولوجيا د حميد لحميداني ، المركز الثقافي العربي ،
16 _ نظرية الأغتراب من منظور علم الأجتماع  د علي الشتا ، مؤسسة شباب الجامعة , الأسكندرية .
17 _ الحرية والطوفان جبرا ابراهيم جبرا . المؤسسة العربية للدراسات والنشر
18 _ النص المرصود سمير أبو حمدان ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت
19 _ ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ، فاروق وادي . 
20 _ المعقول واللامعقول ، كولن ويلسون . دار الآداب
21_ غسان كنفاني رعشة المأساة يوسف سامي اليوسف .
                             
                                 ************

سهيل كيوان . كاتب من مجد الكروم . الجليل  
مواليد 1956 .
صدر لمؤلف هذه الدراسة .
__  المبارزة قصص
__  أحزان النخيل قصص
__  عصي الدمع رواية
__  مقتل الثائر الأخير رواية
__ المفقود رقم 2000 رواية
__ هوميروس من الصحراء , دراسة أنطباعية وتحرير في شعر سميح القاسم  باشتراك آخرين ،
__   القرد الشره _ قصة للأطفال
__  العصافير الطيبة _ قصة للأطفال

 

دراسة: سهيل كيوان
السبت 10/7/2004


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع