لن يضيرني هنا اعتراف ساذج لم يجبرني عليه أحد. أعترف بأنني ذهبت ليلة إقرار «المحكمة الدولية» الى حفل زياد الرحباني في «الأونيسكو» وأنا «ميتة رعبة» من طارئ أمني يطيح بي، يطيح بأي شيء وكل شيء. الـ1300 «بني آدم» في الحفل، وددت لو سألتهم فرداً فرداً عن مشاعرهم الحقيقية خلف ابتساماتهم وحماستهم وتدافعهم الى «حفلهم». «هذا حفلنا» قال لي أحدهم. أحسب ان الحياة تسير بي وبرعبي، وتسير من دوني ومن دون رعبي.
في الصالة، التي غصت بكل معنى الكلمة بالناس والمنظمين والمتعثرين إلى أماكنهم، اختلف الوضع. نحن الآن في جزيرة الموسيقى المعزولة عن الخارج. نحن الآن بين يدي هذا الكائن الذي اسمه زياد، يتنفس موسيقى، يعيش فيها ومنها. زياد خلف البيانو و«اليرفانيين» (من «يرفان») خلف آلاتهم، والصبايا السوليستات بثياب أميركا الأربعينيات في برودواي وهوليوود، بصحبة خضر، شريكهم في الغناء مع هذه وتلك في «ديوات» أو ثنائيات.
مفاتيح جاز
حفل زيــاد الرحبانــي في قصــر الأونيسكو استهلتـه إحدى المغنيات في الفرقة بتقديم عزز خــوفي شخصيـاً ومحاه في الوقت نفسه: «نرحــب بكل الذين جاؤوا وغامـروا». هو حفل استثــنائي، او «مــؤامرة» ثقافية لرجل واحد. توريطات لحنية مختلفة لا يسعك الا ان تتورط فيها. فهذا مقدار ما يستطيع زياد أن يمنحنا إياه من متعة، من دون تهريج او ارتباك. نبرات غير عادية في الايقاع، ألحان غير حنينية، لكنها مستلة من قلب الحنين الى الموسيقى الحقيقية!! تجعل المستمع يدرك مدى سيطرة زياد على الحالة الموسيقية. سيطرة ذات حدين، مطرزة، ذات حاشية جميلة، وأيضاً ذات «جذر» معقد وتهكمي، وهي طريقة نادرة في السيطرة، وتشكل وجهة نظره في الفن والحياة.
حفل «داكابو» غني بتوزيعاتـه وجديد وغني في المشهد، حين غصت الخشبة بالصبايا اللواتي لم يوفرن جهداً في إشباعنا بما يريده زياد تحديداً من أصواتهن وحضورهن، بمرافقة «الفدائيين» الموسيقيين من يرفان وسوريا ولبنان، ولعب هؤلاء موسيقى مسرحيات قديمة ونفذوا كتابات موسيقية قديمة، تدهشنا كم ما زالت حية وحيوية ومباشرة وحديثة، كأنها كتبت قبل الحفل بساعة.
«هيدا غيتو» «أمراض مزمنة داخلية» «لولا فسحة الأمل» «بذكر بالخريف» «ضحكة الـ 75 ألف» (دولار طبعاً) مهداة للويس أرمسترونغ، «شو هيدا ولو» و«صلّو عالبيت» «يوميات» «القافلة» «شو بخاف» «عيسى» «ما تفل» «يفِ 71» «ضربت»... كلها تجارب زياد التي تُذهّب روحها بعلاقتها المفتوحة بالموسيقى العالمية.
في مقابلته مع «السفير» قبل الحفل، عاف الرحباني تسمية لعبه جازاً شرقياً او شيشانياً!! وهو أصرّ على كلاسيكيتها، فيما انني لم أخطئ مفاتيح الجاز فيما سمعت، ثمة ذلك الترادف المليودي والبناءات المشيدة على دعامتين هامتين لا تزالان مصدر جدل واسع لدى الدارسين والمختصين: التفريد والارتجال.
عمارة موسيقية
معظم قطع زياد الرحــباني، في أي حال، فيها من بنوّة تجربة العلاقـة المشــتركة بهاتين الموسيقيتين وبموسيقات أخرى كلاسيكية بالطبع شكــلت جــذراً ومرجعاً. من قطع زياد في الحفل من «هيدا غيتو» و«أمراض مزمنة داخليـة» و«تذكـر بالخريف» وسواها، ثمة نتاج الثقافة الموسيــقية التي لا تتعصب لشيء على حساب شيء آخر. سمعت الجاز أجل، وبانت عنـدي لمســات من البــلوز الأزرق النواح المعطوف على هجائية زياد الموسيقية وسخـريته المرة حتى في أوقات الجد القصوى. «شو هيــدا ولو» غنتهـا الصبية سابين، خُيّل لي انه النموذج الساطع للجاز الذي يكرر جملة بسيطة بلا هوادة. جملة واحدة استطاعت ان تكثف موقفاً سياسياً مما يجري على الصعد كافة، منها الفني بالطبع، في بلد عقدته الظروف الخارجية والحروب المتلاحقة على أرضه وناسه. جملة واحدة تحولت على بساطتها الى عمارة موسيقية احتوت كافة التـرددات، بأداء ذات الرداء الأحمر (المهضــومة) التي مازجـت بين المسرح والغنــاء في مقترب خاص لزياد الرحباني. جملة واحـدة نوعت آرمونيات كــثيرة ساخــرة. هذا دأب زياد الرحباني. احــتوى الحفل ايضاً على مُسحة وفاء لموسيقيين أُعجب بهم زياد كأرمسترونغ صاحب All of me او في تلك التي يهدر بها صوته الوقور: I can"t get on dee - ah وهي من نوع أغاني «ليريك»، فأهداه زياد «ضحكة الـ 75 ألف دولار». كما استعاد زياد «صبحي الجيز» من العام .1975
لا تزال «أبو علي» طازجة. ثم هوس زياد بالتوزيع قاده دائماً الى التعاون مع موسيقيين مختلفين. قلة حضور الوتريات في حفلاته، ليست صدفة عنده مع الحضور الدائم لآلات النفخ ذات الطابع الاحتفالي الوظيفي "les feuilles mortes" أغنية فرنسية بالأساس غنتها سلاف بالانكليزية بمزاج رائق تناوبت مع خضر او تشاركا على غناء «بعدو الخريف».
مزيج
حيال الموسيقى الجيدة، يعثر المستمع على مشاعر جيدة. هذا ما يمنحه لنا زياد، وهو ما أغدقه علينا في حفله في الاونيسكو «داكابو» مع الموسيقى والغـناء اللذين ليسا هزلاً ومجوناً بل تقليداً حقيقياً للحياة، التي تستعير موادها: فرحها وحزنها من كل مصدر معقول.
ذكرني غناء الصبايا بغناء «المينستريلسي»، لأنه يعكس وجهة نظر المغني او المؤلــف الموسيقي وفيها الانتصارات الهزلية، والحكمة الخالية من الوقار، واللهجة الغامضة من التمرد ما يمنحها جاذبية تقرب الجمــهور منهــا، وتتطلب طاقة مرنة للمغني وللموسيقى كميزة رئيسية لها.
أيضــاً في حفل «داكابو» وفي الموسيقى وتمايل المغنين معهــا، تــذكرت موسيقى «الراجتايمــ» Ragtime التي تمتــاز باللـطف، بصفتها موسيقى للبيانو، منوطة على الطريقة الأوروبية للتأليف المكتوب، وتتطلب إحساساً ايقاعياً منسقاً على طريقة الجاز، كما أنها مزيج متواز مع مختلف انواع الموسيقى.
في «داكابو» شاهدنا الشباب والفتيان والشيوخ والعجزة «وذوي الحاجات» والصبايا الحلوات، والمتكئين على العكازات. باختصار، المسنون والمراهقون، الأغنياء والفقراء بدون استثناء، جاؤوا إلى حفل زياد، الرجل عميق الجذور بالموسيقى بين موسيقيي البلد، والجوار، والمحيط، ومن الآن حتى تقوم القيامة.
عناية جابر-السفير
السبت 2/6/2007